الأحد، 28 يونيو 20268:28 مساءً
آراء حرة

أحمد موسى يكتب: ما لم يقله أحد بعد.. كيف صنعت مصر أعقد عملية هندسة اجتماعية في تاريخ الثورات المعاصرة

الأحد، 28 يونيو 2026 04:29 مساءً
أحمد موسى يكتب: ما لم يقله أحد بعد.. كيف صنعت مصر أعقد عملية هندسة اجتماعية في تاريخ الثورات المعاصرة
أحمد موسي
15

في الذكرى الثانية عشرة لأحداث الثلاثين من يونيو 2013 ، يتوقف المراقب المتأمل – لا أمام مشهد سياسي عابر أو انتفاضة شعبية تُقرأ بأدوات التحليل التقليدي – بل أمام ما قد يكون الأكثر تعقيداً وعمقاً في تاريخ الثورات المعاصرة: حالةٌ استثنائية لم يُنظِّر لها علماء التسويق السياسي ولم يُقنِّنها الباحثون في الهندسة الاجتماعية، وهي أن يُقرِّر شعبٌ بملايينه أن يُعيد بناء وعيه الجمعي بيديه، وأن يُصحِّح المسار الذي اختاره بنفسه قبل عام واحد فحسب. هذه ليست مجرد صفحة في تاريخ مصر السياسي، بل هي مختبرٌ حقيقي لفهم كيف تعمل الشعوب حين تصطدم بالفجوة الحادة بين الوعد التسويقي والواقع المعيشي .

 

ما حدث في 30 يونيو2013 لا يمكن فهمه إذا اقتُطع من سياقه النفسي-الجمعي. فقبل عام من ذلك اليوم، خاضت مصر تجربة تسويق سياسي مكثف وغير مسبوق في عالمها العربي، قائم على خطاب الهوية والإقصاء والثنائية الصارمة. استُنفِرت فيه أعمق طبقات اللاوعي الجمعي: الانتماء الديني، والخوف من الآخر، والحلم بالدولة “النقية”. وحين تسلّمت جماعة الإخوان المسلمين السلطة، كانت تحمل على كاهلها أثقل ما يمكن أن يحمله أي فاعل سياسي: توقعات مُضخَّمة وُلِّدت بفعل خطاب تسويقي عاطفي يفتقر إلى قاعدة برنامجية قابلة للتطبيق. وهنا تبدأ المعادلة الفارقة في تاريخ الهندسة الاجتماعية الشعبية.

 

المحور الأول الذي يغفل عنه الباحثون هو ظاهرة “الإشباع الخطابي” أو ما يمكن تسميته بـ”التخمة الأيديولوجية”.

لم تُفشِل جماعة الإخوان حوكمةُ الدولة وحدها، ولا الانهيار الاقتصادي وحده، ولا الأزمات الأمنية وحدها، بل أفشلها في المقام الأول نمطُ خطابها السياسي الذي تحوَّل من أداة إقناع إلى أداة نفور. في علم التسويق السياسي الحديث، ثمة ما يُعرف بـ”منحنى التشبع الإدراكي”: فالرسالة التي تتكرر دون أن يُقابلها فعلٌ ملموس تفقد شحنتها الإقناعية وتنقلب إلى ضدّها. وهذا بالضبط ما حدث: فكلما ارتفع منسوب الخطاب الديني والتخويفي في مواجهة المعارضين، انكشف الفراغ البرنامجي أكثر، وتحوَّل الخطاب إلى دليل إدانة ذاتي في وعي المواطن قبل أن يكون دليل إدانة في وعي المعارض.

 

المحور الثاني، وهو الأكثر إثارة للدهشة التحليلية، يتعلق بظاهرة “التسويق المضاد التلقائي” التي أنتجها المجتمع المصري دون قيادة مركزية ودون خبراء تسويق سياسي أو استراتيجيي اتصال محترفين. فحركة تمرد، التي يُنظر إليها عادةً كحركة جمع توقيعات، كانت في جوهرها آليةً هندسية اجتماعية بالغة الدقة: إذ حوَّلت فعل الرفض من موقف فردي سلبي إلى طقس اجتماعي جماعي موثَّق، وأعطت للمواطن – لأول مرة في تاريخ التجربة الإخوانية – إحساساً بأنه طرفٌ فاعل وليس مجرد متلقٍّ. هذا التحوُّل في الإحساس بالفاعلية هو سرُّ الزخم الذي بلغت معه الأعداد المشاركة أرقاماً جعلت مبدأ الشرعية العددية نقطةَ تحوُّل استراتيجية وليس مجرد رقم احتجاجي. ولعلَّ أشدَّ المحاور غرابةً في تحليل ثورة 30 يونيو هو ما يمكن تسميته بـ”مفارقة الشرعية المزدوجة”. فالشعب المصري كان يواجه في الوقت ذاته معضلتين فلسفيتين لم يجد العالمُ العربي حتى الآن إجابةً وافيةً عليهما: الأولى هي شرعية الصندوق، والثانية هي شرعية الشارع. وما فعلته ثورة 30 يونيو من الناحية الهندسية الاجتماعية العميقة هو أنها لم تَلغِ شرعية الصندوق بل أضافت إليها شرعيةً موازية وأعلى كثافة: شرعية الرفض الجمعي حين يثبت الصندوق أنه أُدير بمنطق إقصائي لا تشاركي. وهذه المعادلة المزدوجة لم تفرزها مصر نظرياً بل اختبرتها عملياً أمام كاميرات العالم، مما جعلها مرجعاً استراتيجياً نادراً في الفقه السياسي المعاصر.

 

ثمة محور آخر لم يتطرق إليه أحد بالتعمق الكافي، وهو دور “الذاكرة الهوياتية” كأداة تسويق سياسي مُضاد. فالمصريون – بثقلهم الحضاري الممتد على آلاف السنين – يحملون في وعيهم الجمعي ما يشبه “المناعة الثقافية” ضد أي مشروع يُحاول اختزال هويتهم في إطار أيديولوجي أحادي. وهذا ما أخفقت جماعة الإخوان في استيعابه تماماً: فهي اشتغلت على طبقة الهوية الدينية وأهملت طبقات الهوية الأعمق: الهوية المصرية ، والهوية المتوسطية، والهوية الحضارية التي تُعرِّف المصري لنفسه بأنه أقدم من كل التيارات وأوسع من كل الأيديولوجيات. وحين حاولت جماعة الإخوان تسويق نفسها على أساس أنها تمثل المكوِّن الديني لهذه الهوية، ردَّت الهويةُ الحضارية بفعل رفض انتزعت معه المصري من أسر الاختزال الأيديولوجي. وفي قراءة أعمق لأدوات الهندسة الاجتماعية التي انتشرت خلال المرحلة السابقة لـ30 يونيو، يمكن رصد ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ السياسي المصري، هي ظاهرة “الشبكات الأفقية لصناعة الرأي”. فخلافاً لكل الثورات والانتفاضات التي عرفتها مصر – من ثورة 1919 إلى يناير 2011 – لم تَقُد 30 يونيو نخبةٌ سياسية ذات قيادة رأسية مرئية، بل قادها الفضاء الاجتماعي الرقمي والفيزيائي معاً في آن واحد. تداول الصور والفيديوهات الموثِّقة للإخفاقات، والسخرية السياسية التي بلغت مستوى إبداعياً غير مسبوق، ومجموعات الواتساب التي تحوَّلت إلى خلايا نشر للوعي – كل هذه الأدوات لم تكن موجَّهةً من مركز واحد، بل كانت تشتغل وفق نموذج “التلقيح الفيروسي للوعي”: حيث تنتشر الفكرة لأنها تُجيب عن سؤال يعيشه المتلقي يومياً، لا لأن أحداً يأمره بتبنِّيها.

 

وهنا يظهر محور التسويق السياسي الأكثر نُضجاً في تجربة 30 يونيو: المصداقية المبنية على الاختبار لا على الوعد. فالنموذج الذي أفرز 30 يونيو لم يكن تسويقاً للبديل قبل إسقاط الحاضر، بل كان – بصورة واعية أو غير واعية – تسويقاً قائماً على “مبدأ الإثبات العكسي”: أي أن الخطاب الشعبي لم يقل “نحن لدينا برنامج أفضل”، بل قال “ما يجري الآن بات محكوماً عليه بالفشل الموثَّق”، وهذا أقوى بكثير في علم الإقناع السياسي من أي خطاب برنامجي مهما كان محكم الصياغة. الفشلُ الملموس يُسوِّق للبديل أفضل من أي كلام. في تقييم أثر 30 يونيو من منظور الهندسة الاجتماعية بعيدة المدى، لا يمكن تجاهل ما أنتجته هذه التجربة من “أنماط قيمية جديدة” في الوعي الجمعي المصري. فالمصري الذي شارك في 30 يونيو – بصرف النظر عن موقعه الطبقي أو الجغرافي أو العمري – خرج بثلاث مُكتسبات هندسية:

– أولها الثقة بقدرة الكثافة العددية الجماعية على إعادة رسم المشهد السياسي .

– وثانيها الوعي بأن الشرعية الانتخابية ليست طريقاً نهائياً بل محطة يمكن إعادة النظر فيها حين يتحوَّل الانتداب إلى إقصاء.

– وثالثها – وهو الأكثر عمقاً – الشعور بأن المواطن المصري ليس متلقياً سلبياً للقرار السياسي بل صانعٌ فاعلٌ له بكل ما يملكه من أدوات الضغط والتعبير الجمعي. غير أن التحليل النزيه يقتضي أن نُقرَّ بأن ثورة 30 يونيو أنتجت أيضاً تحدياتٍ هندسية اجتماعية لا تزال ماثلة حتى اليوم. إذ إن أي حراك شعبي من هذا الحجم يُفرِز في نتائجه “انشقاقاً ثانياً في الوعي” بين من يتذكر 30 يونيو كانتصار للإرادة الجمعية وبين من يقرأها كنقطة بداية لمرحلة مختلفة الأولويات والشروط. وإدارة هذا “الانشقاق الذاكراتي” – أو ما يمكن تسميته في علم الهندسة الاجتماعية بـ”إشكالية التأريخ المتنازع عليه” – تمثِّل تحدياً معرفياً وسياسياً حقيقياً لأي مشروع يسعى إلى بناء هوية جمعية موحَّدة ومتماسكة على المدى البعيد. والشعوب التي تجتاز هذا التحدي بنجاح هي التي تُفرِّق بين توظيف التاريخ سلاحاً في الصراع الراهن وبين توظيفه درساً لبناء مستقبل أكثر رسوخاً. ومن أكثر الجوانب التي أغفلها الباحثون في تحليل 30 يونيو ما يمكن تسميته بـ”الدور الهادئ للمراه المصرية ” في صناعة الحشد والخطاب الاجتماعي. فخلافاً للصورة الرمزية الغالبة التي تُبرز قيادات الرجال في الاحتجاجات، كانت المرأة المصرية في 30 يونيو هي القناة الهندسية الاجتماعية الأقوى تأثيراً: في الأسرة حين تُقنع الأب والزوج والابن بالنزول، وفي الجيرة حين تُحوِّل الخروج إلى طقس اجتماعي جماعي لا يمكن لمن يبقى في البيت تفادي تبعاته النفسية والاجتماعية. إن دراسة الحجم الحقيقي لهذا الدور يكشف أن الهندسة الاجتماعية لم تشتغل من القمة إلى القاعدة بل من مستوى الأسرة والعلاقات الاجتماعية الأولية صعوداً إلى الفضاء العام.

 

في الختام، وبعيداً عن كل قراءة أيديولوجية مسبقة، تبقى ثورة 30 يونيو 2013 ظاهرةً تستحق أن تُدرَّس في أعرق مراكز أبحاث التسويق السياسي والهندسة الاجتماعية في العالم، لا كحدث مصري محلي بل كنموذج استثنائي للفهم الشعبي العميق لمعادلة الفعل السياسي. لقد أثبتت مصر في ذلك اليوم أن الشعوب حين تبلغ مستوى من النضج السياسي – حتى في غياب الديمقراطية التقليدية الناضجة – تُنتِج بالضرورة أدواتها الهندسية الخاصة في مواجهة الخطاب السياسي المُقصي. وما يميز هذه التجربة أنها لم تُبقِ على وهم واحد: لا وهم الشرعية المكتسبة الأبدية، ولا وهم أن الصندوق وحده يكفي لإضفاء الشرعية على مشاريع تسعى إلى تحويل الدولة إلى ملكية أيديولوجية لفريق بعينه. وهذا – ببساطة شديدة وعمق بالغ – هو الدرس الأكبر الذي قدَّمته مصر للعالم في ذلك الصيف الاستثنائي الساخن .