السبت، 27 يونيو 20266:06 مساءً
آراء حرة

اللواء د. رضا فرحات يكتب: ثورة 30 يونيو.. إرادة شعب صنعت مستقبل الوطن

السبت، 27 يونيو 2026 01:22 مساءً
اللواء د. رضا فرحات يكتب: ثورة 30 يونيو.. إرادة شعب صنعت مستقبل الوطن
اللواء د. رضا فرحات
15

بعد ثلاثة عشر عاما، لا تبدو ثورة 30 يونيو مجرد ذكرى تستعاد، بل محطة تاريخية لا تزال آثارها حاضرة في المشهد المصري، كانت لحظة استثنائية شعر فيها المصريون بأن وطنهم يقف عند مفترق طرق، وأن القرار الذي سيتخذونه سيحدد شكل الدولة نفسها لسنوات طويلة قادمة، لذلك خرجت الملايين من مختلف المحافظات، تحمل هما واحدا قبل أي انتماء سياسي، وهو الحفاظ على الدولة المصرية ومنع انزلاقها إلى مسار كانت ملامحه تثير قلق قطاع واسع من المجتمع، واليوم لا تزال هذه اللحظة حاضرة في الذاكرة الوطنية، ليس لأنها كانت الأكبر من حيث الحشد فقط، بل لأنها جسدت معنى الإرادة الشعبية عندما تتحول إلى قوة قادرة على تغيير الواقع، ورسخت حقيقة أن الشعوب، مهما واجهت من تحديات، تستطيع أن تستعيد زمام المبادرة إذا شعرت بأن وطنها في حاجة إليها.

 

إن ما يميز ثورة 30 يونيو أنها كانت ثورة دفاع عن فكرة الدولة الوطنية لأن المصريين لم يخرجوا بحثا عن مكاسب آنية أو مطالب فئوية، بل خرجوا دفاعا عن هوية وطن عرف عبر تاريخه الطويل قيمة الدولة ومؤسساتها و أثبتت تلك الأيام أن المصريين، رغم اختلافاتهم، يجتمعون عندما يتعلق الأمر بمصير بلادهم، وأن الوعي الوطني يظل العامل الحاسم في اللحظات المفصلية كما أثبتت الأحداث أن قوة الدول لا تقاس فقط بإمكاناتها الاقتصادية أو العسكرية، وإنما أيضا بقدرة شعوبها على الاصطفاف عندما تفرض الظروف ذلك، وهو ما جعل 30 يونيو واحدة من أبرز المحطات في التاريخ المصري الحديث.

 

لكن قيمة هذه الثورة لا تتوقف عند ما جرى في الميادين، بل تمتد إلى ما تحقق بعدها بالانتقال من مرحلة استعادة الاستقرار إلى مرحلة بناء الدولة وهو تحدي كان أكثر صعوبة وتعقيدا بعد أن واجهت مصر حربا شرسة ضد الإرهاب، ودفع رجال القوات المسلحة والشرطة أرواحهم ثمنا للدفاع عن أمن الوطن واستقراره، بينما كانت الدولة، في الوقت نفسه، تتحرك على أكثر من مسار لإعادة بناء الاقتصاد، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات، وإطلاق مشروعات قومية كبرى هدفت إلى تأسيس قاعدة تنموية أكثر صلابة، وهذه المهمة لم تكن سهلة في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة، لكن استمرار مؤسسات الدولة وقدرتها على العمل كان في حد ذاته أحد أهم نتائج ما جرى في 30 يونيو.

 

لقد أكدت تجربة الثلاثة عشر عاما الماضية أن معركة الحفاظ على الوطن لا تنتهي بانتهاء الأحداث الكبرى، وإنما تتجدد في كل مرحلة واليوم لم تعد التحديات تقتصر على الإرهاب أو الاضطرابات الأمنية، بل أصبحت تمتد إلى حروب المعلومات، والشائعات، ومحاولات التشكيك في كل إنجاز، واستهداف ثقة المواطن في دولته، ومن هنا، فإن الوعي الوطني الذي كان أحد أهم أسباب نجاح 30 يونيو، لا يزال يمثل خط الدفاع الأول عن مصر، المواطن الواعي هو القادر على التمييز بين النقد الموضوعي ومحاولات الهدم، وبين الاختلاف الطبيعي الذي يثري الحياة العامة، والدعوات التي تستهدف إضعاف الدولة وإرباك مؤسساتها.

 

وفي الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو، تبدو المناسبة أكبر من مجرد استدعاء أحداث الماضي أو الاحتفاء بذكرى وطنية، إنها فرصة للتأكيد على أن الأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما بالعمل والإنتاج واحترام القانون، وأن الحفاظ على ما تحقق يتطلب استمرار الاصطفاف خلف هدف واحد، هو بناء دولة قوية وعصرية وقادرة على مواجهة التحديات كما أنها مناسبة لتوجيه التحية إلى كل من ساهم في حماية هذا الوطن، من أبناء القوات المسلحة والشرطة، وإلى كل مواطن آمن بأن مستقبل مصر يستحق التضحية والعمل.

 

إن ثورة 30 يونيو ستظل عنوانا لإرادة شعب رفض أن يقف متفرجا على مستقبل وطنه، وستظل أيضا عنوانا لصمود دولة واجهت تحديات غير مسبوقة واستطاعت أن تحافظ على تماسكها وتمضي في طريق البناء، وبعد ثلاثة عشر عاما، لم تعد قيمة هذه الثورة فيما حدث خلالها فقط، وإنما فيما أثبتته من أن مصر، كلما اشتدت عليها الأزمات، تمتلك القدرة على استعادة توازنها، وأن شعبها، عندما يتعلق الأمر بوطنه، يظل دائما صاحب الكلمة الحاسمة وصانع اللحظة الفارقة، وأن إرادة الشعب كانت البداية، وصمود الوطن كان النتيجة، وما بين البداية والنتيجة تتواصل مسيرة بناء دولة تسعى إلى مستقبل أكثر استقرارا وقدرة على تحقيق تطلعات أبنائها.