
في مثل هذا اليوم من عام ٢٠١٣، شهدت مصر مشهدًا تاريخيًا غير مسبوق، حين تدفقت الملايين من المواطنين إلى ميادين التحرير والقصور الرئاسية ومحافظات الجمهورية، في حراك جماهيري عابر للانتماءات الحزبية والطبقية، جاء تعبيرًا صريحًا عن رفض مسار سياسي هدد بتفكيك مؤسسات الدولة، وعزل كفاءاتها، وفرض وصاية أيديولوجية على مقدرات الشعب.
جاء هذا الزخم الشعبي بعد عام قضته البلاد تحت وطأة أزمات متراكمة، تمثلت في تصدع أركان السلطة، وتراجع معدلات الأمن، وتنامي حالة الاستقطاب الاجتماعي، إلى جانب محاولات ممنهجة لتغيير هوية الدولة المصرية وقيمها المجتمعية الراسخة، وهو ما دفع قطاعًا عريضًا من المصريين إلى اعتبار أن اللحظة تتطلب وقفة حاسمة لاستعادة زمام الأمور.
تعاملت القوات المسلحة المصرية، بوصفها الحامي الأمين للدولة، مع هذا التعبير الشعبي بوصفه إرادة وطنية لا تحتمل التأويل، وأعلنت خريطة طريق وضعت حدًا لتلك المرحلة، وأسست لمسار انتقالي منضبط أعاد الأمور إلى نصابها الدستوري، وفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة الوطنية على أسس من الكفاءة والشفافية والعدالة.
لم تكن معركة استعادة الدولة مجرد إنجاز لحظي، بل تحولت إلى مشروع تنموي متكامل استهدف إعادة ترميم البنية التحتية التي تعرضت للإهمال لعقود، وامتد ليشمل مد شبكة طرق وكباري تجاوزت أطوالها سبعة آلاف كيلومتر، وتطوير منظومة الكهرباء والطاقة عبر إنشاء محطات عملاقة، إلى جانب إطلاق مبادرات للحماية الاجتماعية وسعت إلى تخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر احتياجًا.
على الصعيد الأمني، خاضت الدولة مواجهة شرسة مع التنظيمات الإرهابية التي حاولت استغلال حالة الفراغ السياسي لضرب الاستقرار، وقدمت المؤسستان العسكرية والشرائية تضحيات كبيرة أسفرت عن تطهير مساحات شاسعة من الأراضي، وإعادة فرض هيبة القانون، وتأمين الحدود، فيما رسخت السياسة الخارجية المصرية عودة دور البلاد كقطب فاعل في القضايا الإقليمية والدولية، مستندة إلى رؤية مستقلة ومتوازنة تحفظ المصالح القومية.
وبعد مرور ثلاث عشرة سنة على هذا اليوم، تظل ذكرى الثلاثين من يونيو محطة فارقة في الوجدان الجمعي، فهي ليست مجرد استذكار لحدث انقضى، بل هي تجسيد لحالة من الوعي الجمعي أثبتت أن إرادة الشعوب حين تتوحد قادرة على إعادة تشكيل مصيرها، وأن مؤسسات الدولة متى تمسكت بواجبها الوطني استطاعت أن تكون حجر الزاوية في مراحل التحول الكبرى.
إن هذا اليوم يبعث برسالة إلى الداخل والخارج، مفادها أن مصر، بكل ما تحمله من ثقل تاريخي وطاقة بشرية، تمتلك من المناعة الذاتية ما يجعلها قادرة على تجاوز أخطر الامتحانات، وأن الرهان على قوتها الذاتية يظل أضمن استثمار في مستقبل المنطقة.





