الأحد، 16 أغسطس 20261:45 صباحاً
آراء حرة

اللواء د. رضا فرحات يكتب .. ذاكرة لا تقبل التزييف

السبت، 15 أغسطس 2026 07:49 مساءً
اللواء د. رضا فرحات يكتب .. ذاكرة لا تقبل التزييف
اللواء د. رضا فرحات
15

في كل محطة فارقة من تاريخ الدول، لا تكون استعادة الذاكرة مجرد استدعاء لحدث مضى، وإنما تصبح ضرورة لحماية الوعي العام من محاولات إعادة صياغة الوقائع وفق روايات انتقائية تخدم أهدافًا سياسية، وتبقى أحداث اعتصام رابعة واحدة من أكثر المحطات التي كشفت طبيعة الصراع الذي خاضته الدولة المصرية في مواجهة جماعة الإخوان، وما ارتبط به من محاولات لتقديم صورة مغايرة للواقع، وتحويل المشهد من قضية تتعلق بأمن الدولة وسلامة المجتمع إلى رواية تقوم على المظلومية وحدها.

 

 

إن قراءة أحداث رابعة لا ينبغي أن تتوقف عند لحظة فض الاعتصام، وإنما يجب أن تمتد إلى السياق الذي سبقها والنتائج التي ترتبت عليها، لأن فهم أي أزمة سياسية يتطلب النظر إلى البيئة التي أنتجتها، وإلى سلوك الأطراف المختلفة، وإلى قدرة مؤسسات الدولة على إدارة لحظة شديدة التعقيد دون السماح بانهيار مؤسساتها أو تفكك نسيجها الاجتماعي.

 

لقد كشفت التجربة أن جماعة الإخوان لم تتعامل مع الأزمة باعتبارها خلافا سياسيا يمكن حسمه عبر الحوار والتوافق، وإنما اتجه خطابها وممارساتها إلى تكريس حالة من الاستقطاب الحاد، وتحويل الاعتصام إلى نقطة تجمع سياسي وأمني مفتوحة، بما جعل المشهد أكثر تعقيدا وخطورة، وفي مثل هذه الظروف، تصبح مسؤولية الدولة مضاعفة: حماية حق المواطنين في التعبير من ناحية، والحفاظ على أمن المجتمع ومنع تحول أي تجمع إلى مصدر تهديد لحياة المواطنين أو مؤسسات الدولة من ناحية أخرى.

 

والأخطر في التجربة لم يكن فقط محاولة الجماعة تقديم رواية سياسية مغايرة، وإنما توظيف الإنسان نفسه في هذه المعركة، فحين تتحول مشاعر المواطنين البسطاء إلى أدوات في صراع تنظيمي، وحين يصبح المواطن جزءا من مشهد سياسي لا يملك بالضرورة القدرة على فهم كل أبعاده، فإن السياسة تفقد جوهرها وتتحول إلى عملية استقطاب واستغلال وهنا تظهر إحدى أخطر سمات التنظيمات المغلقة، وهي قدرتها على وضع الأفراد في مقدمة المشهد بينما تبقى القرارات الحقيقية والأهداف التنظيمية في الخلفية.

 

كما أن استدعاء أحداث رابعة يفرض التوقف أمام مسألة العلاقة بين الدين والسياسة، فالدين بطبيعته مجال للقيم والأخلاق والرحمة، بينما توظيف المقدس في صراع سياسي يفتح الباب أمام أخطر أشكال الاستقطاب، لأنه يمنح الخلاف السياسي غطاء دينيا ويجعل التراجع أو الحوار يبدو وكأنه تنازل عن العقيدة وليس مجرد موقف سياسي قابل للنقاش، وقد دفعت مصر ثمنا باهظا نتيجة هذا الخلط، الذي جعل المجتمع أكثر انقساما، وفتح المجال أمام خطاب يحاول احتكار الحقيقة وتوزيع صكوك الوطنية والخيانة.

 

وتؤكد التجربة المصرية كذلك أن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تكون أمنية فقط، الأمن ضرورة لحماية المجتمع، لكنه لا يكفي وحده لبناء الاستقرار المستدام، المعركة الحقيقية تمتد إلى التعليم والثقافة والإعلام والتنمية والخطاب الديني، وإلى قدرة الدولة على بناء مواطن يمتلك من الوعي ما يجعله قادرا على التمييز بين المعارضة السياسية المشروعة وبين التنظيمات التي توظف السياسة للوصول إلى أهداف تتجاوز العمل السياسي.

 

 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد مرور السنوات هو اختزال تجربة رابعة في صورة واحدة أو رواية واحدة، لأن اختزال التاريخ يترك مساحة واسعة أمام إعادة إنتاج الدعاية، المطلوب هو قراءة موضوعية تستند إلى الوثائق والشهادات والتقارير الرسمية، وتضع الأحداث في سياقها السياسي والأمني والاجتماعي، بعيدا عن المبالغة أو التبرير أو المتاجرة بالدماء، كما أن الوعي بهذه التجربة لا يعني فتح جراح الماضي بقدر ما يعني استخلاص الدروس التي تمنع تكرارها فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأزمات، وإنما بقدرتها على تحويل الأزمات إلى خبرة مؤسسية تمنع تكرارها وكلما ارتفع مستوى وعي المواطن، تراجعت قدرة التنظيمات المغلقة على استغلاله، وكلما اتسعت مساحات الحوار السياسي الرشيد، ضاقت المساحات التي يمكن أن تنمو فيها خطابات الكراهية والتحريض.

 

لقد أثبتت السنوات الماضية أن حماية الدولة لا تنفصل عن حماية وعي المجتمع، الأمن والتنمية والوعي ليست مسارات منفصلة، وإنما دوائر متكاملة؛ الأمن يحمي مسار التنمية، والتنمية تعالج كثيرا من أسباب الهشاشة الاجتماعية، والوعي يحصن المجتمع من الوقوع مرة أخرى في فخ الشعارات التي تستهدف العقل قبل أن تستهدف الدولة.

 

وفي النهاية، تبقى ذكري فض اعتصام رابعة درسا سياسيا وإنسانيا يجب أن يقرأ بعقل بارد وذاكرة يقظة، القضية في أن يمتلك المجتمع القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المعارضة والإرهاب، وبين الدين كقيمة روحية والسياسة كفعل بشري قابل للنقد والمراجعة.

 

الدول لا تحمي حاضرها فقط بالقوة، وإنما تحمي مستقبلها أيضا بقدرتها على بناء وعي لا يسمح بتكرار الأخطاء نفسها تحت عناوين جديدة.