
حين نتحدث عن الإعلام في الجمهورية الجديدة، فإننا لا نتحدث عن مجرد مؤسسات تنقل الأخبار أو منصات تتابع الأحداث، بل عن إحدى أهم أدوات بناء الوعي الوطني وصناعة التوافق المجتمعي حول أهداف الدولة وتحدياتها. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية أي تصور لتفعيل دور وزارة الدولة للإعلام، بقيادة الكاتب الصحفي ضياء رشوان، إذا ما أُعيد إحياؤها أو تطوير دورها خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التوجيهات المستمرة للرئيس عبد الفتاح السيسي التي تؤكد أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة التنمية والبناء.
لقد شهدت مصر خلال السنوات الماضية طفرة غير مسبوقة في حجم المشروعات القومية، من المدن الجديدة إلى شبكات الطرق والبنية التحتية والطاقة والصناعة والزراعة. لكن التحدي الحقيقي لم يعد فقط في تنفيذ المشروعات، بل في كيفية شرحها للمواطن وإيصال أهدافها وعوائدها المستقبلية إلى الرأي العام بلغة بسيطة ومقنعة. فالمواطن اليوم لا يبحث عن البيانات الرسمية المطولة، بل يريد معلومة واضحة وسريعة تجيب عن سؤال بسيط: كيف ينعكس هذا المشروع على حياته اليومية؟
ومن هنا تبدو الحاجة مُلِحّة إلى إطلاق منصة وطنية حديثة يمكن أن تحمل اسم “مصر تشرح”، تكون مهمتها تبسيط السياسات العامة والمشروعات القومية عبر محتوى رقمي احترافي يعتمد على الفيديوهات القصيرة، والرسوم التوضيحية، والتقارير التفاعلية. فالمعركة الإعلامية الحديثة لم تعد تُحسم عبر الشاشات التقليدية وحدها، وإنما على الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تتشكل اتجاهات الرأي العام لحظة بلحظة.
وفي السياق نفسه، تبرز ضرورة إنشاء مركز وطني للرصد والاستجابة السريعة للشائعات. فالعالم كله بات يواجه تحديات المعلومات المضللة والأخبار الزائفة، ومصر ليست استثناءً من ذلك. بل إن سرعة انتشار الشائعة في العصر الرقمي تجعل من الضروري الانتقال من سياسة الرد المتأخر إلى سياسة الرصد المبكر والتوضيح الفوري. وكلما كانت المعلومة الرسمية سريعة وواضحة وموثَّقة، تراجعت مساحة التأويل والشائعات.
ولا يمكن الحديث عن بناء الوعي دون منح الشباب دورًا محوريًا في هذه المهمة. فالأجيال الجديدة ليست مجرد متلقية للرسائل الإعلامية، بل أصبحت منتجة للمحتوى ومؤثرة في تشكيل الرأي العام. ومن هنا يمكن أن يمثل برنامج “سفراء الوعي الرقمي” أحد أهم المبادرات القابلة للتنفيذ، من خلال تدريب مجموعات من الشباب في الجامعات والمحافظات على مهارات التحقق من المعلومات، وإنتاج المحتوى الإيجابي، والتواصل الفعال عبر المنصات الرقمية. فالشباب أكثر قدرة على مخاطبة أقرانهم بلغتهم وأدواتهم.
كما أن نجاح أي سياسة إعلامية حديثة يتطلب الاعتماد على البيانات لا الانطباعات. ولذلك تبدو فكرة إنشاء مؤشر وطني لقياس الوعي العام من الأفكار المهمة التي تستحق الدراسة. فمن خلال استطلاعات دورية وقياسات علمية يمكن التعرف إلى مستوى معرفة المواطنين بالقضايا الوطنية، ومدى وصول الرسائل الإعلامية إليهم، وأبرز الملفات التي تحتاج إلى مزيد من الشرح والتوضيح. فالإعلام الفعّال لا يعمل في الظلام، بل يستند إلى أرقام ومؤشرات واضحة.
وعلى المستوى الدولي، تحتاج مصر إلى تطوير أدواتها في متابعة وتحليل صورتها الذهنية في الخارج. فالعالم اليوم لا يكتفي بما ترويه الدول عن نفسها، بل يتأثر أيضًا بما تنقله وسائل الإعلام الأجنبية ومنصات التواصل الدولية. لذلك فإن إنشاء مرصد متخصص لتحليل الصورة الذهنية لمصر عالميًا يمكن أن يوفر معلومات دقيقة تساعد على تعزيز نقاط القوة ومعالجة أوجه القصور في الخطاب الإعلامي الموجَّه إلى الخارج.
ومن الأفكار التي تستحق الاهتمام كذلك إنشاء خريطة إعلامية موحدة للمشروعات القومية، تتضمن المعلومات والصور والبيانات والمواد البصرية المحدثة بصورة مستمرة. فالإعلامي أو الصحفي أو الباحث يحتاج إلى مصدر موثوق وسهل الوصول إليه للحصول على المعلومات الدقيقة، بدلًا من البحث في مصادر متفرقة قد تكون ناقصة أو قديمة.
ولا ينبغي أن يقتصر الخطاب الإعلامي على القاهرة وحدها. فالتنمية الحقيقية تحدث في جميع المحافظات، وهناك عشرات النماذج الملهمة وقصص النجاح التي تستحق أن تُروى. ومن هنا تأتي أهمية مشروع “صوت المحافظات”، الذي يسلط الضوء على المبادرات المحلية ورواد الأعمال والمشروعات التنموية في مختلف أنحاء الجمهورية. فكل محافظة تمتلك قصة نجاح تستحق أن تصل إلى الجمهور.
كما أن الاستثمار في العنصر البشري يظل حجر الأساس لأي تطوير إعلامي. ولذلك فإن إنشاء برامج تدريبية متخصصة في الإعلام الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وإدارة الأزمات الإعلامية، أصبح ضرورة لا رفاهية. فالعالم الإعلامي يتغير بسرعة كبيرة، ومن لا يواكب أدواته الجديدة يجد نفسه خارج المنافسة.
إن بناء الوعي الوطني لم يعد مهمة جهة واحدة، بل هو مشروع دولة متكامل تشارك فيه المؤسسات الإعلامية والتعليمية والثقافية والدينية والمجتمعية. لكن وجود رؤية إعلامية حديثة ومتكاملة يمكن أن يمنح هذا المشروع قوة دفع إضافية، ويحول الإعلام من مجرد ناقل للأحداث إلى شريك حقيقي في التنمية.
وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعلام أكثر قربًا من المواطن، وأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والبيانات، وأكثر قدرةً على التفاعل السريع مع المتغيرات. إعلام يشرح قبل أن يبرر، ويستمع قبل أن يتحدث، ويقنع بالمعلومة لا بالشعار. وعندما يتحقق ذلك، تصبح معركة الوعي أكثر قدرة على حماية الإنجازات ودعم مسيرة البناء التي تشهدها مصر في الجمهورية الجديدة.





