السبت، 25 يوليو 20264:29 مساءً
آراء حرة

اللواء د. رضا فرحات يكتب : المواطنة الإيجابية.. من الحقوق إلى الواجبات

السبت، 25 يوليو 2026 03:00 مساءً
اللواء د. رضا فرحات يكتب : المواطنة الإيجابية.. من الحقوق إلى الواجبات
اللواء د. رضا فرحات
15

تعد المواطنة أحد أهم المفاهيم التي تقوم عليها الدولة الحديثة فهي ليست مجرد انتماء جغرافي إلى وطن أو حمل بطاقة هوية أو التمتع بمجموعة من الحقوق التي يكفلها الدستور والقانون، وإنما هي علاقة متبادلة بين المواطن والدولة، قوامها الحقوق والواجبات معا، وإذا كانت الدول تسعى إلى ترسيخ حقوق مواطنيها باعتبارها أساسا للاستقرار والعدالة، فإن نجاحها الحقيقي يظل مرهونا بوجود مواطن يدرك أن الحقوق لا تنفصل عن المسؤوليات، وأن المشاركة في بناء الوطن تبدأ من أداء الواجب قبل المطالبة بالمزيد من الحقوق.

 

لقد شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تنفيذ مشروعات قومية كبرى وتطويرا للبنية الأساسية وتحسينا في الخدمات العامة، وهي جهود تستهدف في جوهرها الارتقاء بجودة حياة المواطنين وتعزيز قدرات الدولة على تحقيق التنمية المستدامة إلا أن هذه الجهود، مهما بلغت من حجم وإمكانات، لن تحقق أهدافها كاملة إذا لم يصاحبها وعي مجتمعي يدرك أن التنمية ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن.

 

إن المواطنة الإيجابية تتجسد في سلوكيات يومية بسيطة لكنها ذات أثر عميق؛ فاحترام القانون، والحفاظ على الممتلكات العامة، وترشيد استهلاك المياه والكهرباء، والمحافظة على نظافة الشوارع، والالتزام بقواعد المرور، والمشاركة في المبادرات المجتمعية، جميعها صور عملية للمواطنة، الوطن لا يبنى بالشعارات، وإنما بالممارسات التي تعكس إحساس الفرد بأن ما يملكه المجتمع هو ملك له ولأبنائه من بعده.

 

ومن أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة انتشار ثقافة المطالبة بالحقوق بمعزل عن الواجبات، البعض يطالب بخدمات أفضل، لكنه لا يلتزم بالحفاظ عليها، ويطالب بتطبيق القانون، لكنه قد يتجاوز أحكامه عندما تتعارض مع مصالحه الشخصية، وينتقد السلوكيات السلبية في المجتمع، بينما يمارس بعضها في حياته اليومية، هذه الازدواجية تضعف مفهوم المواطنة، لأن الدولة لا يمكن أن تحقق التنمية المنشودة إذا غابت الشراكة الحقيقية بين مؤسساتها ومواطنيها.

 

كما أن المواطنة الإيجابية ترتبط ارتباطا وثيقا بالوعي، لأن الإنسان الواعي هو الأكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين النقد البناء ومحاولات نشر الإحباط، وبين الاختلاف المشروع والخطاب الذي يهدد تماسك المجتمع، وفي عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الرئيسي للمعلومات لدى كثيرين، بات من الضروري تعزيز ثقافة التحقق من المعلومات، وعدم الانسياق وراء الأخبار غير الموثقة، لأن الكلمة قد تهدم ثقة أو تثير فتنة أو تعرقل جهدا تنمويا.

 

ولا تقتصر المواطنة على العلاقة بين الفرد والدولة، بل تمتد إلى علاقة المواطن بمجتمعه، واحترام الآخر، وقبول التنوع، والعمل التطوعي، والتعاون في مواجهة الأزمات، كلها قيم تعزز التماسك المجتمعي وتزيد من قدرة المجتمع على مواجهة التحديات، وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تتمتع بدرجة عالية من المسؤولية المجتمعية تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية والتحديات الأمنية.

 

ويظل التعليم والإعلام والأسرة شركاء أساسيين في بناء ثقافة المواطنة فالمدرسة لا ينبغي أن تقتصر على نقل المعرفة، بل عليها أن تغرس قيم الانتماء والانضباط والمسؤولية، والإعلام مطالب بتقديم نماذج إيجابية تعزز ثقافة المشاركة والعمل والإنتاج، فيما تقع على الأسرة مسؤولية تنشئة الأبناء على احترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، وتقدير قيمة العمل، وترسيخ فكرة أن خدمة الوطن تبدأ من السلوك اليومي.

 

إن بناء الإنسان يمثل حجر الأساس لأي مشروع تنموي ناجح، والمواطن الواعي هو الضمانة الحقيقية لاستدامة التنمية، كل مشروع جديد يحتاج إلى من يحافظ عليه، وكل قانون يحتاج إلى من يحترمه، وكل إنجاز يحتاج إلى من يدرك قيمته، لذلك فإن المواطنة ليست مفهوما نظريا يدرس في الكتب، بل هي ممارسة يومية تبدأ من احترام النظام وتنتهي بالمشاركة الفاعلة في بناء مستقبل الوطن.

 

وفي النهاية، فإن الدول القوية لا تقاس فقط بما تمتلكه من موارد أو مشروعات، وإنما أيضا بما تمتلكه من مواطنين يدركون أن الأوطان تبنى بالشراكة، وأن الحقوق والواجبات وجهان لعملة واحدة وكلما ارتفع مستوى الوعي، وتعززت ثقافة المسؤولية، واتسعت دائرة المشاركة الإيجابية، أصبح المجتمع أكثر قدرة على تحقيق التنمية، وترسيخ الاستقرار، وصناعة مستقبل يليق بأبنائه.