Saturday، 16 May 202605:27 PM
آراء حرة

اللواء د. رضا فرحات يكتب: ذكرى النكبة.. جرح لا يندمل وهوية لا تطمس

السبت، 16 مايو 2026 01:03 مساءً
اللواء د. رضا فرحات يكتب: ذكرى النكبة.. جرح لا يندمل وهوية لا تطمس
د. رضا فرحات
15

يظل الخامس عشر من مايو من كل عام واحدا من أكثر الأيام التي تحمل المآسي في الذاكرة العربية والإنسانية، إذ يحيي العالم ذكرى النكبة الفلسطينية، تلك المأساة التي شهدت تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه وتشريده قسرا، في جرح تاريخي ما زالت آثاره ممتدة حتى اليوم، تلك الجريمة التي لم تكن مجرد احتلال لأرض، بل مشروعا متكاملا لاقتلاع شعب من جذوره، وطمس هويته الوطنية والتاريخية، ومحاولة فرض واقع بالقوة المسلحة على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وبالرغم من مرور عقود طويلة على النكبة، إلا أن القضية الفلسطينية ما زالت حية في وجدان الشعوب العربية وأحرار العالم، باعتبارها قضية حق وعدالة وإنسانية قبل أن تكون قضية أرض وحدود.

 

لقد مثلت نكبة عام 1948 نقطة تحول خطيرة في تاريخ المنطقة العربية، بعدما تعرض الشعب الفلسطيني لعمليات تهجير جماعي وقتل وتدمير للقرى والمدن، في مشهد كشف مبكرا عن الطبيعة العدوانية للمشروع الصهيوني القائم على الاستيطان والإحلال وفرض الأمر الواقع بالقوة، ورغم كل ما تعرض له الفلسطينيون من تشريد وحصار وحروب متتالية، فإن الاحتلال فشل في كسر إرادة الشعب الفلسطيني أو انتزاع انتمائه الوطني، بل زادت تلك الجرائم من تمسك الفلسطينيين بحقوقهم التاريخية المشروعة وفي مقدمتها حق العودة وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

 

إن ما يحدث اليوم في الأراضي الفلسطينية، وخاصة في قطاع غزة، يؤكد أن الاحتلال لا يزال يمارس السياسات نفسها التي قامت عليها النكبة الأولى، من قتل جماعي وحصار وتجويع واستهداف للمدنيين والبنية التحتية، في انتهاك صارخ لكل القوانين والمواثيق الدولية والإنسانية كما أن استمرار التوسع الاستيطاني ومحاولات تهويد القدس وتغيير التركيبة الديموغرافية للأراضي المحتلة، يكشف أن الاحتلال لا يؤمن بالسلام العادل، بل يسعى إلى فرض واقع استعماري جديد بالقوة، مستندا إلى دعم سياسي وعسكري من بعض القوى الدولية التي تتعامل بازدواجية واضحة مع قضايا حقوق الإنسان.

 

ورغم هذا المشهد المأساوي، فإن القضية الفلسطينية أثبتت أنها عصية على التصفية، لأن الشعوب لا تنسى أوطانها، ولأن الهوية الوطنية الفلسطينية أصبحت أكثر رسوخا وصلابة عبر الأجيال المتعاقبة، فالأطفال الذين ولدوا في مخيمات اللجوء ما زالوا يحملون أسماء قراهم ومدنهم، وما زال الفلسطيني يتمسك بحقه التاريخي مهما طال الزمن، وهو ما يؤكد أن محاولات طمس الهوية العربية لفلسطين قد فشلت، وستظل تفشل أمام صمود شعب يرفض الاستسلام أو التفريط في حقوقه.

 

إن التحولات الدولية الراهنة كشفت تراجع الرواية الإسرائيلية أمام الرأي العام العالمي، خاصة مع تصاعد الوعي بحقيقة ما يجري من انتهاكات وجرائم بحق المدنيين الفلسطينيين، وقد شهد العالم خلال الشهور الأخيرة موجات تضامن واسعة مع الشعب الفلسطيني في العديد من العواصم والجامعات الغربية، في مؤشر مهم على أن القضية الفلسطينية استعادت حضورها الإنساني والسياسي بقوة، وأن آلة الدعاية الإسرائيلية لم تعد قادرة على إخفاء حقيقة الاحتلال وممارساته.

 

وفي وسط هذا المشهد تظل مصر صاحبة موقف تاريخي وثابت تجاه القضية الفلسطينية، انطلاقا من مسؤوليتها القومية ودورها المحوري في دعم الحقوق الفلسطينية المشروعة، ورفضها القاطع لأي محاولات لتصفية القضية أو تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، كما تواصل الدولة المصرية جهودها السياسية والإنسانية لوقف العدوان ودعم مسار التهدئة وإيصال المساعدات الإنسانية، انطلاقا من إيمانها بأن تحقيق الاستقرار في المنطقة لن يتم إلا من خلال تسوية عادلة وشاملة تضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.

 

إن إحياء ذكرى النكبة ليس مجرد استدعاء لحادثة تاريخية، بل هو تأكيد مستمر على أن الظلم لا يسقط بالتقادم، وأن الحقوق الوطنية لا يمكن محوها بالقوة أو الحصار أو القتل وستظل النكبة شاهدا على معاناة شعب، وفي الوقت نفسه رمزا لصمود أمة ترفض الاستسلام، فلسطين ستبقى عربية الهوية، والقدس سيظل عنوانا للحق التاريخي، مهما حاول الاحتلال فرض روايته أو تغيير معالم الأرض والتاريخ.

 

إن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت، والتاريخ أثبت أن إرادة الشعوب أقوى من الاحتلال، وأن القضايا العادلة تظل حية حتى تنتصر ولذلك ستبقى ذكرى النكبة جرحا حيا في ضمير الإنسانية، وشاهدا دائما على ضرورة إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من استعادة حقوقه المشروعة وإقامة دولته الحرة المستقلة.