Thursday، 02 April 202607:26 PM
آراء حرة

محمد ناجي زاهي يكتب .. “العودة إلى العصر الحجري”.. هل يفتح ترامب باب الجحيم في الشرق الأوسط؟!!

الخميس، 02 أبريل 2026 01:29 مساءً
محمد ناجي زاهي يكتب .. “العودة إلى العصر الحجري”.. هل يفتح ترامب باب الجحيم في الشرق الأوسط؟!!
محمد ناجي زاهي
15

لم يكن خطاب دونالد ترامب الأخير خطاب نصر، كما حاول أن يقدمه لأنصاره في الداخل الأمريكي، بل كان خطابًا محمّلًا بقدر كبير من التناقض، ومفعما بإشارات أخطر بكثير من الكلمات الظاهرة على السطح، فالرجل الذي تحدث بنبرة المنتصر، وعاد ليتباهى بما وصفه بـ”النجاح الساحق” في ضرب إيران، لم يكن في الحقيقة يعلن نهاية حرب، بل كان يمهد لمرحلة جديدة أكثر شراسة، وأكثر اتساعًا، وأشد تهديدًا لمستقبل المنطقة كلها.

أخطر ما في الخطاب لم يكن استعراض القوة المعتاد، ولا محاولات تضخيم الإنجازات العسكرية، بل العبارة التي بدت كأنها مفتاح لفهم ما يُطبخ في الخفاء: مثل عبارة “سنعيد إيران إلى العصر الحجري”، هذه الجملة لا تُقال عادة في سياق ضربة محدودة أو رد محسوب، بل تستخدم حين يكون المقصود هو تحطيم بنية الدولة، وشل قدرتها على الحياة، وتحويلها إلى أرض منهكة بلا كهرباء ولا وقود ولا موانئ ولا مياه مستقرة ولا قدرة على الاستمرار، ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يلوح ترامب بضربة غير تقليدية، أم أنه يمهّد لسياسة الأرض المحروقة؟

الراجح أن ترامب يريد أن يترك الباب مفتوحًا أمام الاحتمالين معًا، فهو من ناحية يريد إخافة إيران بأقصى درجة ممكنة، ومن ناحية أخرى يهيئ الداخل الأمريكي لتقبل حرب أطول وأكثر كلفة، وهذه النقطة بالذات شديدة الأهمية لأن الخطاب لم يكن موجهًا إلى طهران وحدها، بل إلى الشعب الأمريكي أيضًا، حيث أن ترامب لم يتحدث كما يتحدث رئيس يريد إغلاق المعركة، بل كما يتحدث رجل يستعد لطلب مزيد من الصبر ومزيد من المال، وربما مزيد من الدم.

وهنا يظهر التناقض الفاضح: إذا كانت المهمة قد نجحت فعلًا، فلماذا التهديد بمزيد من الضربات خلال الأسابيع المقبلة؟ وإذا كانت إيران قد سُحقت كما يزعم، فلماذا ما زالت واشنطن تتحدث عن مواقع محصنة، وأهداف لم تُحسم، ومخاطر مستمرة في الميدان والبحر والطاقة؟، الحقيقة أن هذا الخطاب، بدلًا من أن يثبت الحسم، كشف أن الحرب لم تحقق أهدافها النهائية، وأن ما جرى حتى الآن لم يكن إلا فصلًا أول من مواجهة مفتوحة على احتمالات أكثر خطورة.

الأقرب إلى المنطق أن واشنطن قد لا تبدأ فورًا بخيار نووي تكتيكي، لكنها بلا شك تلوح بمستوى تدمير غير مسبوق، فحين يتكرر الحديث عن “العصر الحجري”، فإننا لا نكون أمام مجرد تهديد عسكري، بل أمام تصور كامل لتحويل دولة كاملة إلى كتلة من العجز والفوضى، أي ضرب محطات الطاقة، والمصافي، وشبكات المياه، والموانئ، والبنية التحتية التي تحفظ بقاء المجتمع والدولة معًا، وهذا السيناريو إن وقع، لن يتوقف أثره عند حدود إيران، بل سيمتد إلى الخليج والممرات البحرية وأسواق الطاقة، وسيدفع المنطقة كلها إلى حافة الانفجار الكبير.

الأخطر أيضًا أن ترامب بدا في خطابه وكأنه يرفع الغطاء الأمريكي عن الحلفاء بقدر ما يبتزهم … فقد أوحى بأن الولايات المتحدة ليست في حاجة حقيقية إلى نفط الشرق الأوسط كما كانت من قبل، وأن على الآخرين أن يتحملوا عبء حماية مصالحهم بأنفسهم، وهذه ليست رسالة طمأنة، بل رسالة فوضى، معناها ببساطة أن واشنطن مستعدة لإدارة الحريق، لا لإطفائه، ومستعدة كذلك لتمرير كلفته إلى أوروبا والخليج والعالم كله، ما دام الداخل الأمريكي يمكن تخديره بشعارات النصر المؤقت.

لكن الواقع يظل أكثر قسوة من الخطاب فإيران، رغم الضربات، لم تختفِ من الميدان، ولم تفقد قدرتها على الرد، وهذا وحده كافٍ لإسقاط الرواية الأمريكية المتضخمة، لأن الحرب التي تحتاج كل هذا القدر من التهديد بعد إعلان “الانتصار”، هي حرب لم تُحسم أصلًا، والحرب التي ترتفع بعدها أسعار النفط، وتزداد معها المخاوف في الممرات البحرية، وتبقى فيها المنطقة على أعصابها، ليست حربًا انتهت، بل حربًا تدخل طورًا أكثر اضطرابًا وخطورة.

خطاب ترامب لم يكن مجرد استعراض سياسي أجوف، بل كان وثيقة تهديد مفتوح لم يثبت أن ضربة نووية تكتيكية باتت حتمية، لكنه كشف بوضوح أن المنطقة تدخل مرحلة قد تُستخدم فيها كل أدوات الإكراه والتدمير والخنق، ونحن لا نقف أمام رئيس يقدّم خطة سلام، بل أمام رجل يلوّح بنار أكبر ليغطّي عجزه عن تحقيق نصر حاسم، ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس فقط في ما قاله، بل في ما يعنيه كلامه: أن الشرق الأوسط قد يكون أمام أيام تُكتب فيها السياسة بالنار، وتُرسم فيها الخرائط على وقع الخراب.