
كل ديكتاتور يسعى لإنجازاتٍ يتخفّى وراءها، ويبني أمجادًا يغطّي بها استيلاءه على السلطة وقهره للشعب، حتى لا يلتفت أحد إلى كيف صُنعت هذه الإنجازات والأمجاد، وكيف بناها وحده دون الناس الذين عانوا أشد المعاناة من ديكتاتورية أهدرَت كرامتهم وحريتهم، وحوّلتهم إلى عبيدٍ يبنون أمجاد الديكتاتور بسواعدهم.
هذه مقدمة أردّ بها على من يمجّدون إنجازات الديكتاتور، بل ويبرّرون الديكتاتورية والظلم، إمّا بسياق التاريخ والزمن، وإمّا بسياق الضرورة وانعدام البدائل، وكأن لا حلول إلا ما فعله الديكتاتور. ولا أبالغ حين أقول إن هذه المبررات ترتقي إلى مرتبة خيانة الشعوب، لأن أصحابها يسقطون من تحليلاتهم، التي يصبغونها بالعلمية والأكاديمية، مطالب الشعوب في الحرية والكرامة، وما خلا زمن من هذه المطالب.
ويسقطون أيضًا كيف عانى الناس من “الأمجاد” التي تغنّى بها الديكتاتور، وتناسَوا، بل تجاهلوا عمدًا، أن الشعب هو من جاع، وفقد حريته، وعاش في الخوف، لكي يتغنى الديكتاتور ومن معه بأمجادٍ زائفة أُسقِط منها عمدًا قهر الشعب ومعاناته.
وينسى هؤلاء، وهم يبرعون في تحليلاتهم – أو بالأحرى في خيانتهم – كيف صنع الديكتاتور إمبراطوريته وملكه؟ وكيف حوّل مقدّرات الدولة لصالح طموحه؟ وكيف نفذ مشروعه وداس على أحلام شعبه؟ بل كيف استولى على السلطة ثم الثروة بالكامل، لصالحه ولصالح مشروعه، بينما جاع شعبٌ بأكمله؟
هذه السطور تنطبق على نماذج ديكتاتورية كثيرة في تاريخنا البشري، وفي عالمنا الشرقي، وعلى رأسهم “المحروسة”. وما يعنينا في هذه اللحظة من تاريخنا هو محمد علي باشا، فهو من أكثر حكام مصر انطباقًا عليه ما سبق. صانع “الدولة الحديثة”… لكن “كيف؟” — هذا السؤال غير مهم عند البعض. صاحب الدولة التوسعية أو “الإمبراطورية”، التي كانت مجرد أداة في يد السلطان العثماني فترةً، ثم في يد فرنسا لاحقًا.
ليس مهمًا كيف بنى الباشا إمبراطوريته، ولا كيف كان يجلد ظهر الكادحين والفلاحين والفقراء. ليس مهمًا كيف استولى على السلطة، أو كيف سلب الثروة. ليس مهمًا كيف سقط خَرِفًا منزوِيًا، فبررنا نهايته – كعادة كثير من العقول العربية – بأنها “مؤامرة”. لكن السؤال الأهم: كيف كان حال مصر وأهلها؟ وهل تعود الأسباب إلى سياساته أم لا؟ هذا هو السؤال الجوهري، الذي نحتاج الإجابة عليه لنُدرك أن المشروع لم يكن مشروع شعب، بل مشروع فرد رهَن شعبًا كاملاً ومقدراته لأحلامه الشخصية. لا فرق بينه وبين السلطان العثماني أو المستعمر الذي نهب ثروات الشعوب.
أولًا: كيف جاء محمد علي إلى مصر؟
جاء محمد علي في حملة عسكرية تابعة للسلطان العثماني، وتمكّن من كسب قلوب المصريين وزعاماتهم الشعبية، التي أرادت الخلاص من ظلم المماليك والفوضى. ورأوا فيه المنقذ. وعلى الرغم من رفض السلطان العثماني، استطاعت الزعامة الشعبية فرض محمد علي واليًا على مصر عام 1805.
ولكن أول خطوة خطاها للانفراد بالسلطة كانت التخلّص من الزعامات الشعبية: نَفى الشيخ عمر مكرم، وأعدم الخضري. وتُروى الكثير من الشهادات عن خيانات بعض المشايخ لعمر مكرم، وبعد أن استخدمهم، نكّل بهم وبأسرهم. ثم تخلّص من المماليك في مذبحة شهيرة، بعد أن منحهم العهد، ونجح بعدها في الانفراد الكامل بالسلطة.
ثانيًا: نظام الاحتكار بدلًا من الاستدانة
يتباهى البعض بأن محمد علي لم يلجأ للاستدانة. وهذا صحيح شكليًا. لكنه استبدل نظام “الالتزام” الجائر بنظام أكثر شراسة ونهبًا: نظام الاحتكار. أصبح هو الصانع والزارع والتاجر الوحيد، والملتزم الوحيد، والسارق الوحيد. يشتري من الفلاحين بثمن بخس، ويبيع بأغلى الأثمان.
أجبر الفلاحين على زراعة ما يُدر عليه نقدًا أجنبيًا: القطن طويل التيلة، والأفيون. ونتج عن ذلك أزمات في الغذاء، وعجز في تلبية الاستهلاك المحلي، واستياء عام بين الفلاحين، الذين كانوا سجناء قراهم لا يغادرونها إلا بإذن كتابي من الحكومة.
ألم نسمع عن ثورة الفلاحين في أبريل 1824؟ ألم ينتشر العصيان في قرى الشرقية مطلع 1840؟ ألم يُحرِق فلاحو الصعيد محاصيلهم عام 1830 حتى لا تقع في أيدي رجال الباشا؟ تأخر التوريد للحكومة كان يُعاقب عليه بالإعدام، والجلد 50 جلدة كان “العقوبة الخفيفة”. وهذا دفع آلاف الفلاحين للهروب.
هرب الفلاحون من السُخرة، ومن التجنيد الإجباري: 6 آلاف فلاح لجأوا إلى والي عكا، عبد الله باشا. فتقدّم محمد علي بشكوى للباب العالي، فجاء الرد: “الفلاحون المصريون رعايا السلطان، لا عبيد الباشوات”. لكن محمد علي استغل الأمر كذريعة للتمرد على السلطان، وشن حملة للاستيلاء على الشام.
فرض ضرائب مجحفة، مثل “فردة الرؤوس”، التي كانت تمثل سدس إيرادات الخزينة، ويدفعها الذكور متى بلغوا 12 عامًا، وتزايدت بنسبة 300% من 1820 إلى 1844.
كانت مشاريعه الكبرى قائمة على السخرة: حفر الترع، تقوية الجسور، تطهير النيل، حراسة الشواطئ أثناء الفيضان. بلغ عدد المسخّرين عام 1848 نحو 647 ألف شخص، وكان له الحق في نقلهم لأي مكان في مصر.
لجأ الناس إلى تهريب أموالهم خوفًا من المصادرة. مثلًا: في 1813، طلب محمد علي من أقباط مصر 15 ألف كيس. دُفعت على مضض. وقُبض على المعلم فلتوس بعد أن ادعى الفقر. ضُرب 500 جلدة، وعُثر على 2000 كيس في بيته. مات بعد ثلاثة أشهر من الواقعة حزنًا على ماله.
هذه هي مصادر تمويل حروب محمد علي ومشروعاته. لم يستدن، لكنه نهب الشعب. وبنظام الاحتكار، امتلك مصر ومن عليها، حتى بلغت أملاكه 541,433 فدانًا، أي 18% من أراضي مصر.
كان الفلاحون يرددون: “يبني قصرًا، ويهدم مصرًا.”
وكتب هيلين آن ريفلين في كتابه “الاقتصاد والإدارة في مصر في مستهل القرن التاسع عشر”:
“شكّلت الضغوط المالية المفروضة على السكان من أهم أسباب فشل إدارة محمد علي، فقد كانت الموارد تُستنزف في الحروب، وفي الأموال المرسلة للسلطان، وفي الأراضي التي منحها لنفسه، وكانت إنجازاته لا تتم إلا بإجهاد الاقتصاد المصري حدّ الانهيار.”
ثالثًا: محمد علي.. أداة في يد الاستعمار.
سخّر محمد علي مقدرات مصر ليكون أداة في يد السلطان العثماني لضرب المتمردين، ثم حين اختلفت المصالح، حاول أن ينفذ طموحه عبر فرنسا، التي دعمته لا حبًا فيه بل لغاياتها في صراعها مع إنجلترا. فجعلت جيشه يبلغ جبال لبنان، ويحكم لصالحها وضد الدروز.
فهل كانت “إمبراطورية” الباشا إمبراطورية حقًا؟ أم مجرد أداة استعمارية لتحقيق مصالح الغير؟ وعندما اتفقت فرنسا وإنجلترا، ركّعوه، وتم تفكيك مشروعه، لأنه نسي أنه أداة، وتوهّم أنه يستطيع أن يأخذ اللعبة لنفسه.
الأداة لا تُصبح إمبراطورية لمجرد التمدد. الإمبراطورية تُبنى على الاستقلال، لا على التبعية للاستعمار.
حتى حملته على الجزائر (1829–1830) جاءت بضغوط من القنصل الفرنسي “دروفتي”، بهدف أن يفتح محمد علي طرابلس وتونس والجزائر، ويخلع حكامها، ويضمها لحكمه كما ضم السودان. طلب في المقابل 4 بوارج من فرنسا، لكنهم رفضوا. كانوا يريدونه أداة لا شريكًا. فرفض المشروع.
ومع نهاية المشهد، وبعد اتفاق فرنسا وإنجلترا، ضمنت له فرنسا البقاء في حكم مصر، ثم أُجهض مشروعه وسقط. وفي عام 1848، تنازل عن العرش مصابًا بالخرف، وتوفي في 2 أغسطس 1849، عن عمر ناهز الثمانين. لم يحضر جنازته سوى حفنة من القناصل الأجانب، ولم تُغلق المحال، ونُقل جثمانه وحيدًا إلى القاهرة عبر النيل، ودُفن في جامعه بالقلعة.
إن الوعي بالتاريخ يفرض علينا رفض كل النماذج الديكتاتورية. ومهما عظّموها، فـ”إنجازاتهم” لم تكن موجهة للشعوب، بل لصورة الزعيم “الملهم”. والشعوب هي من دفعت الثمن جوعًا، وقهرًا، وسخرة.
ومن الخيانة أن نبرّئ الديكتاتور ونتجاهل من ماتوا، ونتحدث عن “السياقات التاريخية”، مع علمنا الكامل أن أهم سياق على الإطلاق هو أن الشعوب كانت تطالب دائمًا بالعدل، ولكن العزة كانت تأخذ الديكتاتور بالإثم.





