السبت، 7 نوفمبر 20266:14 مساءً
آراء حرة

اللواء د. رضا فرحات يكتب: البحر الأحمر.. والنوايا المكشوفة

السبت، 07 نوفمبر 2026 01:54 مساءً
اللواء د. رضا فرحات يكتب: البحر الأحمر.. والنوايا المكشوفة
اللواء د. رضا فرحات
15

لم تكن الدعوة الإثيوبية لمصر إلى تمويل سدود على روافد النيل، مقابل دعم مساعي أديس أبابا للوصول إلى البحر الأحمر، مجرد مقترح للتعاون الاقتصادي أو صيغة لتبادل المصالح، بل عكست محاولة واضحة لخلط الأوراق والربط بين ملفين استراتيجيين شديدي الحساسية، لكل منهما حساباته واعتباراته القانونية والسيادية فثمة فارق كبير بين أن تسعى دولة إلى تحقيق مصالحها المشروعة، وأن تجعل من حقوق الآخرين ومصالحهم الاستراتيجية مدخلا لتمويل طموحاتها السياسية، لتطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة العلاقات التي تريد إثيوبيا بناءها مع محيطها: هل تقوم على احترام المصالح المتبادلة والقواعد المنظمة للعلاقات الدولية، أم على تحويل الملفات الاستراتيجية إلى أوراق للمساومة، وربط حق دولة في التنمية بمواقف سياسية تتصل بأمن دول أخرى وسيادتها؟

 

إثيوبيا دولة حبيسة، ومن حقها البحث عن منافذ بحرية وتطوير تجارتها وتعزيز موقعها الاقتصادي في المنطقة، وهذه مصالح مشروعة لا خلاف عليها لكن مشروعية الهدف لا تعني مشروعية كل الوسائل المؤدية إليه فالبحث عن منفذ بحري لا يمنح أي دولة حق إعادة صياغة التوازنات الإقليمية وفق مصالحها المنفردة، كما أن احتياجاتها التنموية لا تبرر مطالبة الآخرين بتمويل مشروعات مائية على روافد نهر دولي، ثم ربط هذا التمويل بمواقف تتعلق بالوصول إلى البحر الأحمر، التعاون بين الدول يقوم على المصالح المتبادلة، وليس على تبادل الضغوط أو صناعة المقايضات بين ملفات لا يجوز الخلط بينها.

 

في جوهر هذه المسألة، تقف مصر أمام قضية تتصل بأحد أهم مقومات وجودها واستقرارها فالنيل بالنسبة للمصريين ليس مجرد مورد طبيعي أو ورقة في حسابات التفاوض، وإنما شريان حياة ارتبطت به الدولة والمجتمع والاقتصاد عبر آلاف السنين ومن ثم، فإن إدارة الموارد المائية المشتركة تخضع لقواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، وعدم إلحاق الضرر ذي الشأن بالدول الأخرى وهذه المبادئ تمثل إطارا ملزما لتنظيم العلاقات بين دول الأنهار المشتركة، ولا يجوز تجاوزها من خلال اتفاقات جانبية أو ترتيبات سياسية تفرضها موازين المصالح المؤقتة.

 

والأخطر في الطرح الإثيوبي أنه يضع ملفين استراتيجيين مختلفين في طبيعة الالتزامات والقواعد الحاكمة لكل منهما داخل معادلة واحدة، المياه المشتركة لها نظامها القانوني والتزاماتها الدولية، بينما يرتبط البحر الأحمر بأمن الدول المشاطئة وسيادتها وحقها في المشاركة في تحديد ترتيبات حوكمته وحماية الملاحة فيه والخلط بين المسارين يفتح الباب أمام سابقة إقليمية بالغة الحساسية، مفادها أن الحقوق المرتبطة بالموارد الطبيعية يمكن أن تتحول إلى مقابل للحصول على امتيازات جيوسياسية في مناطق أخرى، وهو منطق يهدد استقرار العلاقات بين الدول ويضعف الثقة في قواعد القانون الدولي.

 

البحر الأحمر ليس مساحة جغرافية خالية من أصحاب الحقوق، ولا ممرا دوليا يمكن التعامل معه باعتباره فرصة متاحة لتوسيع النفوذ دون اعتبار لمواقف الدول المطلة عليه فهو أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وترتبط سلامته بأمن الملاحة الدولية ومصالح اقتصادية واستراتيجية واسعة و أي ترتيبات تتعلق بأمنه وحوكمته يجب أن تنطلق من احترام سيادة الدول المشاطئة ومراعاة مصالحها، بعيدا عن فرض الأمر الواقع أو البحث عن اعتراف سياسي من أطراف لا تملك وحدها تقرير مستقبل هذا الممر الحيوي.

 

وتدرك القاهرة أن التحولات الجارية في القرن الإفريقي ليست تطورات عابرة، فهذه المنطقة أصبحت ساحة لتنافس إقليمي ودولي متزايد، تتداخل فيها اعتبارات الموانئ والممرات البحرية والطاقة والأمن والتجارة كما أن اتساع الحضور الدولي في البحر الأحمر يفرض على دول المنطقة قراءة دقيقة للتحولات الجارية، والتعامل معها برؤية استراتيجية تتجاوز ردود الفعل الآنية ومصر، بحكم موقعها الجغرافي ومكانتها في معادلة الأمن البحري، معنية بالحفاظ على استقرار البحر الأحمر وصون مصالح الدول المشاطئة له، وفي مقدمتها حماية حرية الملاحة واحترام السيادة الوطنية.

 

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التنسيق المصري السوداني باعتباره امتدادا لوحدة المصالح الاستراتيجية بين البلدين، سواء في ملف الأمن المائي أو في القضايا المرتبطة باستقرار البحر الأحمر والقرن الإفريقي، القاهرة والخرطوم دولتان من دول المصب، وتجمعهما مصالح مباشرة في ضمان الاستخدام المنصف لمياه النيل، وضرورة وجود قواعد واضحة وملزمة تحكم عمليات الملء والتشغيل للسدود المقامة على النهر وروافده، والتشاور بين البلدين يمثل ضرورة تفرضها طبيعة التحديات المشتركة، وليس مجرد تنسيق دبلوماسي مرتبط بظرف سياسي بعينه.

 

لقد كشفت أزمة سد النهضة أن الخلاف لم يكن يوما حول حق إثيوبيا في التنمية أو امتلاك مشروعات لتوليد الكهرباء وتحسين أوضاعها الاقتصادية، وإنما حول غياب التوافق على قواعد قانونية ملزمة تنظم كيفية إدارة السد وآثاره العابرة للحدود، الدولة التي تشترك مع غيرها في مورد مائي دولي تتحمل مسؤولية احترام حقوق الشركاء، وتبادل المعلومات، والتشاور المسبق، وتجنب الإجراءات الأحادية التي قد تلحق أضرارا بمصالحهم وهذه المسؤولية لا تتوقف عند سد النهضة، بل تمتد إلى أي مشروعات مستقبلية على روافد النيل، لأن تعدد السدود دون تنسيق مؤسسي وقواعد تشغيل متفق عليها يضاعف تعقيدات إدارة الحوض المائي بأكمله.

 

ومن الخطأ أن تتصور أديس أبابا أن توسيع خياراتها الجيوسياسية يمكن أن يتحقق من خلال الضغط على دول حوض النيل أو استثمار احتياجاتها المائية في الحصول على مواقف سياسية داعمة لتحركاتها البحرية، العلاقات الإقليمية لا تبنى بمنطق المقايضة، كما أن المصالح الاستراتيجية لا يمكن اختزالها في صفقات قصيرة الأجل وإذا كانت إثيوبيا تبحث عن شراكات اقتصادية واستثمارات إقليمية، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ بالشفافية واحترام السيادة والالتزامات الدولية، وبناء الثقة مع دول الجوار، وليس بربط الملفات وفتح جبهات خلاف جديدة.

 

الحقيقة أن مصر لا تتعامل مع تنمية إثيوبيا باعتبارها تهديدا في حد ذاتها، ولا تنظر إلى حقها في الوصول إلى الأسواق والممرات البحرية باعتباره موضع اعتراض، لكنها ترفض أن تتحول هذه الاحتياجات إلى مدخل للمساس بحقوقها المائية أو تجاوز مصالح الدول المشاطئة للبحر الأحمر فهناك فارق بين دعم التنمية واحترام خيارات الدول، وبين تمويل مشروعات تترتب عليها آثار تمس الأمن المائي لدول أخرى دون ضمانات قانونية واضحة كما أن هناك فارقا بين البحث عن ترتيبات بحرية تحقق مصالح إثيوبيا، ومحاولة ربطها بمواقف سياسية أو التزامات مالية تتعلق بملف النيل.

 

إن جوهر الاستقرار في القرن الإفريقي والبحر الأحمر يتوقف على قدرة دول المنطقة على الفصل بين ملفاتها الاستراتيجية، وإدارة كل قضية وفقا لقواعدها القانونية ومصالح الأطراف المعنية بها فلا يجوز أن يصبح النهر وسيلة للحصول على منفذ بحري، ولا أن تتحول الممرات البحرية إلى أداة للضغط في قضايا المياه، الجغرافيا تفرض حقائقها، لكن السياسة الرشيدة هي التي تحول هذه الحقائق إلى فرص للتعاون، بدلا من تحويلها إلى بؤر للتوتر والصراع.

 

وفي النهاية، فإن معادلة مصر واضحة: التعاون مع إثيوبيا ممكن، والشراكة الاقتصادية والاستثمار المشترك مجالان مفتوحان، وحق الشعب الإثيوبي في التنمية أمر تحترمه مصر، لكن الحقوق المائية لا تدخل في حسابات المقايضة، وأمن البحر الأحمر لا ينفصل عن سيادة الدول المطلة عليه وبين النهر والبحر تقف قواعد لا يمكن تجاوزها، لأن استقرار المنطقة لا تصنعه الصفقات المؤقتة، وإنما تصنعه علاقات تقوم على احترام القانون وتكافؤ المصالح والاعتراف المتبادل بالحقوق أما الرهان على خلط الأوراق لا يصنع شراكة مستدامة ولا يضمن مستقبلا مستقرا لدول المنطقة.