السبت، 19 سبتمبر 20263:53 مساءً
آراء حرة

اللواء د.رضا فرحات يكتب: براءة في مهب الريح الرقمية

السبت، 19 سبتمبر 2026 01:02 مساءً
اللواء د.رضا فرحات يكتب: براءة في مهب الريح الرقمية
اللواء د. رضا فرحات
15

أصبحت حماية الأطفال في البيئة الرقمية واحدة من القضايا التي تفرض نفسها على أجندة الدولة الحديثة، ليس باعتبارها ملفا اجتماعيا محدودا، وإنما باعتبارها قضية ترتبط بالأمن المجتمعي وبناء الإنسان ومستقبل الأجيال الجديدة، التطور التكنولوجي الذي فتح أمام الأطفال أبوابا واسعة للتعلم والمعرفة والتواصل، أوجد في الوقت نفسه أنماطا جديدة من المخاطر لم تكن المؤسسات التقليدية للحماية مهيأة للتعامل معها، وهو ما يجعل توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الأطفال دون سن الخامسة عشرة من إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ذات دلالة تتجاوز فكرة التعامل مع منصة أو تطبيق، إلى بناء إطار متكامل لحماية النشء في عالم تتغير أدواته بسرعة شديدة.

 

 

المشكلة الأساسية أن الطفل لم يعد يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها أداة خارجية يمكن التحكم في وجودها بسهولة، وإنما أصبحت جزءا من حياته اليومية، تؤثر في طريقة تفكيره وتفاعله واختياراته وتكوين تصوراته عن العالم، ولذلك فإن المخاطر الرقمية لا تتوقف عند المحتوى غير الملائم، وإنما تمتد إلى التنمر الإلكتروني، والاستدراج، وانتهاك الخصوصية، والتلاعب بالمعلومات، والتعرض لأنماط سلوكية غير مناسبة للعمر، فضلا عن الاستخدام المفرط الذي قد يؤثر في العلاقات الأسرية والتحصيل الدراسي والتوازن النفسي والاجتماعي.

 

وهنا تظهر أهمية النظر إلى القضية من منظور أوسع؛ حماية الطفل لا تعني عزله عن التكنولوجيا، كما أن مواجهة المخاطر لا يمكن أن تقوم على المنع وحده. المطلوب هو بناء قدرة مجتمعية ومؤسسية على إدارة العلاقة بين الطفل والعالم الرقمي، بحيث يحصل على فوائد التكنولوجيا دون أن يصبح فريسة لمخاطرها، وهذه المعادلة تحتاج إلى سياسات واضحة، وتشريعات مواكبة، وأدوات تقنية فعالة، إلى جانب وعي أسري ومجتمعي مستمر.

 

 

التحرك الأكثر فاعلية في هذا الملف يبدأ من الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية، الدولة مطالبة بتطوير منظومة متكاملة لحماية الأطفال على الإنترنت، تشمل تعزيز آليات الإبلاغ عن المحتوى الضار، وتشديد حماية بيانات الأطفال، وتطوير أدوات التحقق من العمر، والتعامل بجدية مع الحسابات والمحتويات التي تستهدف القصر بصورة غير آمنة، مع التأكيد على أن هذه الإجراءات يجب أن تتم في إطار قانوني واضح يحمي الطفل ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق المستخدمين.

 

لكن الدولة وحدها لا تستطيع إدارة هذه المعركة، الأسرة تمثل خط الدفاع الأول، ليس من خلال المراقبة الصارمة فقط، وإنما عبر الحوار وبناء الثقة، الطفل الذي يستطيع أن يخبر أسرته بأنه تعرض لموقف غير آمن على الإنترنت يكون أكثر قدرة على الحصول على الحماية في الوقت المناسب، ومن هنا تصبح التربية الرقمية جزءا من التربية الأساسية، تماما كما نعلم أبناءنا قواعد التعامل مع الآخرين في المدرسة والشارع والمجتمع.

 

 

المدرسة تأتي في موقع مهم داخل هذه المنظومة، لأنها لم تعد مسؤولة فقط عن نقل المعرفة الأكاديمية، وإنما أصبحت مطالبة بتزويد الطالب بالمهارات التي تمكنه من التعامل مع عالم المعلومات المفتوح، ويشمل ذلك تعليم الأطفال كيفية التحقق من المعلومات، وفهم مخاطر مشاركة البيانات الشخصية، والتعامل مع التنمر الإلكتروني، والتمييز بين المحتوى الآمن والمحتوى الضار، والتعامل المسؤول مع أدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية.

 

وهنا ينبغي ألا نتعامل مع الثقافة الرقمية باعتبارها مادة إضافية، وإنما باعتبارها مهارة حياتية تواكب التحول في طبيعة المجتمع، الطفل الذي يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا بصورة مسؤولة يصبح أقل عرضة للاستغلال وأكثر قدرة على تحويلها إلى وسيلة للتعلم والإبداع واكتساب المعرفة.

 

في المقابل، لا يمكن تجاهل مسؤولية الشركات والمنصات الرقمية، الأطفال ليسوا مستخدمين عاديين، وطبيعة احتياجاتهم وقدرتهم على تقدير المخاطر تختلف عن البالغين ولذلك يجب أن تكون حماية القصر جزءا أساسيا من تصميم الخدمات الرقمية، وليس مجرد إجراء لاحق بعد وقوع الضرر، وكلما تطورت المنصات، يجب أن تتطور معها أدوات الحماية وآليات الرقابة والاستجابة للشكاوى.

 

إن جوهر القضية في النهاية هو بناء توازن دقيق بين حق الطفل في المعرفة والتكنولوجيا وبين حقه في الحماية، وهذا التوازن لا يتحقق بإغلاق أبواب العالم الرقمي، وإنما بإعداد الطفل لدخوله بصورة آمنة وواعية، وبناء منظومة مؤسسية وأسرية تستطيع التدخل عندما تتحول التكنولوجيا من وسيلة للتعلم والتواصل إلى مصدر للخطر.

 

حماية النشء مسؤولية وطنية متكاملة، وتؤكد أن بناء الإنسان في الدولة الحديثة لا ينفصل عن حماية البيئة التي يتشكل فيها وعيه، وأن المعركة الحقيقية ليست مع التكنولوجيا، وإنما مع سوء استخدامها، والهدف ليس إبعاد الأطفال عن العصر الرقمي، وإنما تمكينهم من التعامل معه بوعي ومسؤولية، بما يحول الفضاء الرقمي من مساحة مفتوحة للمخاطر إلى بيئة أكثر أمانا، وأكثر قدرة على خدمة التعليم والمعرفة وبناء الإنسان.