
لا تقاس قوة الدول بما تتضمنه دساتيرها من نصوص فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل هذه النصوص إلى مؤسسات وآليات تضمن حماية الحقوق والحريات. ومن هذا المنطلق، يمثل إنشاء المفوضية المستقلة للقضاء على جميع أشكال التمييز أحد أهم الاستحقاقات الدستورية التي نصت عليها المادة (53) من الدستور المصري، والتي أكدت أن المواطنين جميعًا متساوون أمام القانون، وحظرت التمييز لأي سبب، سواء كان الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الجغرافي أو غير ذلك.
فالتمييز لا يمثل مجرد مخالفة قانونية، بل يشكل تهديدًا لمبدأ المواطنة وتكافؤ الفرص، ويقوض الثقة في العدالة وسيادة القانون. ولهذا فإن الدول الحديثة لم تكتف بالنصوص الدستورية، بل أنشأت مؤسسات وطنية متخصصة ترصد الممارسات التمييزية، وتتلقى الشكاوى، وتقترح التشريعات والسياسات، وتسهم في نشر ثقافة المساواة والاحترام المتبادل.
ولعل واقعة استبعاد أحد الأطفال من اختبارات قطاع الناشئين بنادي الاتحاد السكندري، وما تبعها من تحرك سريع لوزارة الشباب والرياضة وإحالة الواقعة إلى التحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية، قدمت رسالة مهمة مفادها أن الدولة لا تتهاون مع أي شبهة تمس مبدأ المساواة. كما أكدت أن حماية الحقوق لا ترتبط برد الفعل وحده، بل تحتاج إلى منظومة مؤسسية قادرة على الوقاية والرصد والتدخل قبل تكرار مثل هذه الوقائع.
ومن هنا تتجلى أهمية إنشاء مفوضية منع التمييز، ليس باعتبارها جهازًا إداريًا جديدًا، وإنما باعتبارها آلية دستورية مستقلة تعزز سيادة القانون، وتتابع تنفيذ مبدأ المساواة، وتعمل على معالجة أسباب التمييز في مختلف القطاعات، بالتعاون مع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والجهات المعنية.
كما أن وجود هذه المفوضية يتسق مع التزامات مصر الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدان الدوليان، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، فضلًا عن توافقه مع أهداف الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان ورؤية مصر 2030، اللتين تضعان بناء مجتمع يقوم على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص ضمن أولوياتهما.
إن استكمال هذا الاستحقاق الدستوري لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إجراء تشريعي، بل باعتباره خطوة استراتيجية لترسيخ دولة القانون وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالمساواة ليست شعارًا يرفع في المناسبات، وإنما ممارسة يومية تتطلب وجود مؤسسات فعالة تضمن احترامها وحمايتها.
إن بناء مجتمع خالٍ من التمييز يبدأ من الإيمان بأن الحقوق لا تُمنح على أساس الهوية أو الانتماء، وإنما تثبت لكل إنسان بحكم المواطنة والكرامة الإنسانية. ومن ثم، فإن إنشاء مفوضية منع التمييز يمثل استثمارًا في استقرار المجتمع، وتجسيدًا حقيقيًا لفلسفة الدستور، وخطوة ضرورية لتحويل النصوص الدستورية إلى واقع يلمسه كل مواطن في حياته اليومية.





