الأربعاء، 1 يوليو 202610:51 مساءً
آراء حرة

محمد ممدوح يكتب: من حماية الدولة… إلى بناء الإنسان «قراءة في التحول الحقوقي الذي أعقب ثورة 30 يونيو»

الأربعاء، 01 يوليو 2026 03:21 صباحًا
محمد ممدوح يكتب: من حماية الدولة… إلى بناء الإنسان «قراءة في التحول الحقوقي الذي أعقب ثورة 30 يونيو»
الدكتور محمد ممدوح – عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان
15

هناك خطأ شائع يتكرر كل عام مع حلول ذكرى الثلاثين من يونيو وهو اختزال هذه المناسبة في استدعاء الأحداث التي جرت عام 2013، أو إعادة إنتاج الجدل السياسي الذي صاحبها ، والحقيقة أن قيمة الأحداث التاريخية لا تُقاس بما وقع فيها فقط وإنما بما أحدثته من تحولات ممتدة في بنية الدولة، وفي طريقة تفكيرها وفي علاقتها بمواطنيها.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس ماذا حدث في 30 يونيو؟ وإنما ماذا تغير في الدولة المصرية بعد ثلاثة عشر عامًا من تلك اللحظة الفارقة؟
من وجهة نظري فإن التحول الأهم لم يكن سياسيًا فقط، بل كان تحولًا في فلسفة إدارة الدولة ذاتها. فقد انتقلت مصر عبر مراحل متتالية من معركة الحفاظ على الدولة الوطنية في مواجهة تحديات وجودية، إلى معركة إعادة بناء مؤسساتها، ثم إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتمثل في بناء الإنسان، وتعزيز جودة حياته، وترسيخ مفهوم الحقوق باعتباره جزءًا من عملية التنمية وليس ملفًا منفصلًا عنها ، وأعتقد أن هذه النقلة الفكرية تستحق قدرًا أكبر من النقاش لأنها تمثل جوهر ما جرى خلال العقد الماضي.

لفترة طويلة انحصر النقاش حول حقوق الإنسان في إطار ضيق يكاد يقتصر على الحقوق المدنية والسياسية “رغم أهميتها” بينما ظلت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تعامل أحيانًا باعتبارها ملفات تنموية أو اجتماعية منفصلة ، غير أن التطور الذي شهدته الأدبيات الدولية وكذلك التجارب المقارنة، أكد أن هذا الفصل لم يعد ممكنًا.

فلا معنى للحديث عن الحق في المشاركة إذا كان المواطن محرومًا من التعليم الذي يؤهله للمشاركة، ولا قيمة للحديث عن حرية الاختيار إذا كان الفقر أو المرض أو البطالة يحاصر الإنسان ويمنعه من ممارسة خياراته بحرية. ولهذا أصبح مفهوم حقوق الإنسان أكثر شمولًا، وأصبح الحق في الصحة، والتعليم، والعمل اللائق، والحماية الاجتماعية، والتمكين الاقتصادي، جزءًا أصيلًا من المنظومة الحقوقية، وليس مجرد أهداف تنموية.

ومن هنا أعتقد أن أهم ما حدث بعد 30 يونيو هو أن الدولة المصرية بدأت تنظر إلى التنمية باعتبارها أداة لتحقيق الحقوق، وليس مجرد وسيلة لتحقيق النمو الاقتصادي.

قد يختلف البعض حول تقييم السياسات وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي، لكن ما يصعب إنكاره هو أن فلسفة الدولة نفسها شهدت تحولًا واضحًا، فلم يعد الهدف مقتصرًا على إدارة الأزمات وإنما أصبح بناء القدرة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، والاستثمار في البنية الأساسية، وتطوير الخدمات العامة، وتمكين الفئات التي ظلت لعقود بعيدة عن دائرة الاهتمام، جزءًا من مشروع أشمل لإعادة بناء الدولة.

وفي تقديري، فإن هذا التحول يرتبط بفكرة جوهرية وهي أن الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض الأمن أو حماية الحدود، وإنما بقدرتها على حماية كرامة الإنسان ، والكرامة الإنسانية لا تتحقق بالشعارات وإنما عندما يشعر المواطن أن القانون يحميه، وأن التعليم يفتح أمامه أبواب المستقبل، وأن الخدمة الصحية تحفظ حياته، وأن العمل يمنحه القدرة على الاعتماد على نفسه، وأن الفرص تُتاح على أساس الكفاءة لا على أساس الانتماء أو المكان أو الظروف الاجتماعية.

ولهذا فإنني دائمًا ما أقول إن أخطر أشكال الحرمان في القرن الحادي والعشرين لم يعد الفقر وحده وإنما الحرمان من الفرصة.

فالحق في الفرصة أصبح اليوم أحد أهم تجليات العدالة. فرصة في تعليم جيد، وفرصة في تدريب يواكب احتياجات سوق العمل، وفرصة في تمويل مشروع، وفرصة في الوصول إلى التكنولوجيا، وفرصة في المنافسة العادلة. فالدول التي لا تتيح لمواطنيها الفرصة، مهما قدمت من مساعدات، تظل عاجزة عن تحقيق التنمية المستدامة.

ومن هنا فإن الفارق الحقيقي بين الدولة الراعية والدولة الممكنة هو أن الأولى تقدم الدعم، بينما الثانية تبني القدرة. الأولى تساعد المواطن على تجاوز أزمته، أما الثانية فتمكنه من ألا يقع فيها مرة أخرى.

ولعل هذا هو التحول الذي يجب أن نستكمله خلال السنوات المقبلة؛ الانتقال من فلسفة الحماية إلى فلسفة التمكين.

ولا أقصد بالتمكين هنا مجرد توفير وظيفة أو قرض أو برنامج تدريبي، وإنما أقصد بناء بيئة اقتصادية واجتماعية وقانونية تسمح لكل مواطن بأن يطور قدراته، ويشارك في الإنتاج، ويستفيد من ثمار التنمية، ويشعر بأن جهده هو الطريق الطبيعي للتقدم.

ولهذا فإن نجاح الإصلاح الاقتصادي لا ينبغي أن يُقاس فقط بمعدلات النمو، أو بحجم الاستثمارات، أو بالمؤشرات الكلية، رغم أهميتها، وإنما يجب أن يُقاس أيضًا بمدى قدرته على توسيع الطبقة الوسطى، وتعزيز الحراك الاجتماعي، وتقليص الفجوات في الوصول إلى الفرص، وتحويل النمو الاقتصادي إلى تحسن ملموس في جودة حياة المواطنين.

وينطبق ذلك بوضوح على الشباب والمرأة والفئات الأولى بالرعاية.

فالشباب اليوم لا يحتاجون فقط إلى فرص عمل، بل يحتاجون إلى اقتصاد يكافئ المعرفة، ويحتضن الابتكار، ويفتح المجال لريادة الأعمال، ويواكب التحولات الكبرى التي يشهدها العالم في مجالات الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا الخضراء. والمرأة لم يعد تمكينها يُقاس فقط بزيادة تمثيلها، وإنما بقدرتها على أن تكون شريكًا كاملًا في النشاط الاقتصادي، وصناعة القيمة، واتخاذ القرار. أما الفئات الأولى بالرعاية، فإن العدالة الحقيقية لا تتحقق بمجرد توفير الحماية، وإنما بإزالة العوائق التي تحول بينها وبين المشاركة الكاملة في المجتمع.

لكن، في المقابل من الضروري أن ندرك أن أي تجربة إصلاحية لا ينبغي أن تتوقف عند ما تحقق. فالدول الناجحة ليست تلك التي تعتقد أنها وصلت إلى الكمال، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على المراجعة والتقييم والتطوير المستمر.

ولهذا أرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالًا من إدارة المبادرات إلى إدارة الأثر.

لم يعد السؤال كم مبادرة أطلقنا؟ أو كم قانونًا أصدرنا؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية هل انعكس ذلك على حياة المواطن؟ هل أصبحت مؤسسات الدولة أكثر كفاءة؟ هل تقلصت الفجوات في الحصول على الخدمات؟ هل يشعر المواطن أن العدالة أصبحت أقرب إليه؟ وهل أصبح القانون المرجعية الفعلية التي يخضع لها الجميع؟

إن بناء دولة الحقوق لا يتحقق بإضافة نصوص جديدة إلى القوانين فحسب، وإنما ببناء مؤسسات قوية، كفؤة، خاضعة للمساءلة، وقادرة على تقديم خدمة عامة تليق بالمواطن. فسيادة القانون ليست مجرد مبدأ دستوري، وإنما هي الضمانة التي تجعل كل حق قابلًا للممارسة، وليس مجرد نص على الورق.

وفي اعتقادي فإن العقد المقبل يجب أن يكون عقد ترسيخ كفاءة الدولة. فإذا كان العقد الماضي قد انشغل بحماية الدولة وإعادة بناء بنيتها الأساسية، فإن المرحلة القادمة ينبغي أن تنشغل ببناء الثقة؛ والثقة لا تُصنع بالخطب، وإنما تُبنى عندما يشعر المواطن بأن مؤسسات الدولة أكثر عدالة، وأكثر استجابة، وأكثر قدرة على احترام كرامته وصيانة حقوقه.

وفي النهاية، ستظل 30 يونيو محطة مفصلية في التاريخ المصري، لكن قيمتها الحقيقية لن تُقاس بما أنجزته في الماضي، وإنما بما تلهمنا به للمستقبل.

فالأوطان لا تعيش على لحظاتها التاريخية مهما كانت عظيمة، وإنما تعيش بقدرتها على تحويل تلك اللحظات إلى مشروع مستمر للإصلاح والتطوير.

وإذا كانت 30 يونيو قد نجحت في حماية الدولة الوطنية في لحظة كانت تواجه فيها تحديات غير مسبوقة، فإن مسؤوليتنا اليوم هي أن نواصل بناء دولة الحقوق؛ الدولة التي تستمد قوتها من سيادة القانون، وكفاءة مؤسساتها، وعدالة سياساتها، وإيمانها بأن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، وإنما في الإنسان.

ففي نهاية المطاف، يبقى الإنسان هو الغاية، وتبقى كرامته هي المعيار الأكثر صدقًا لنجاح أي دولة، وأي سياسة، وأي مشروع وطني.