Monday، 15 December 202504:28 PM
آراء حرة

لواء دكتور رضا فرحات يكتب: فخ “الإشغال الإسرائيلي”.. حين تستخدم الحروب لتغييب الضحايا

الثلاثاء، 24 يونيو 2025 01:09 مساءً
لواء دكتور رضا فرحات يكتب: فخ “الإشغال الإسرائيلي”.. حين تستخدم الحروب لتغييب الضحايا
اللواء الدكتور رضا فرحات
15

رغم ما تشهده الساحة الإقليمية من تصاعد خطير في الصراع بين إسرائيل وإيران، وما تبعه من تدخل أمريكي مباشر وضربات على منشآت عسكرية ونووية إيرانية، فإن المأساة في غزة ما زالت مستمرة، والحرب الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين لم تهدأ، بل تتصاعد بأبشع صورها فالموت ما زال يحلق في سماء القطاع، والدمار يزحف على ما تبقى من البنية التحتية، وحصار التجويع الممنهج وحرب الإبادة تسير بخطى حثيثة، فيما تزداد محاولات التهجير القسري وإفراغ الأرض من أهلها.

هنا، لا بد أن نحذر وبقوة من “فخ الإشغال الإسرائيلي”، ذلك الفخ الذي يستهدف نقل بؤرة التركيز الإعلامي والسياسي بعيدا عن غزة، عبر تصعيد إقليمي يستهلك العناوين ويشتت انتباه الرأي العام العالمي فإسرائيل، التي لطالما استخدمت استراتيجيات التضليل والخداع، تسعى الآن إلى استغلال التصعيد مع إيران لتخفيف الضغط الدولي عنها، وإخراج غزة من صدارة المشهد الإنساني والسياسي.

لقد تعلمنا من تجارب الصراع العربي الإسرائيلي أن الحرب لا تدار فقط في ساحات المعارك، بل تخاض أيضا في مساحات الوعي، وتحسم في ميادين الإعلام والدبلوماسية، ولهذا فإن مسؤوليتنا الأخلاقية والسياسية تقتضي أن نبقى القضية الفلسطينية حية في صدارة الاهتمام، مهما تصاعدت أصوات المدافع في أماكن أخرى.

إن غزة ليست مجرد ملف إنساني أو سياسي عابر، بل هي مرآة تعكس جوهر الصراع، وتجسد بوضوح مشروع الاحتلال في أبشع صوره: مشروع يقوم على التطهير العرقي، وهدم المدن فوق رؤوس ساكنيها، ومحو الوجود الفلسطيني من الجغرافيا والتاريخ ، ولقد تجاوزت إسرائيل كل الخطوط الحمراء، و داست كل المواثيق الدولية، بينما يواصل الفلسطينيون في القطاع، رغم الموت والجوع، صمودهم الأسطوري دفاعا عن أرضهم وكرامتهم.

ما يجب أن ندركه جيدا هو أن المعركة الحقيقية في هذه المرحلة هي معركة “الحضور والغياب”، فكل دقيقة تمنح فيها الحرب الإسرائيلية الإيرانية تغطية إعلامية طاغية، على حساب معاناة غزة، هي دقيقة تخسر فيها القضية الفلسطينية مساحة في ضمير العالم. وكل لحظة يغيب فيها صوت المأساة الفلسطينية، هي لحظة تمنح الاحتلال فرصة جديدة لتمرير مخططاته.

لذلك، يجب أن نضبط الإيقاع الإعلامي والدبلوماسي على نحو دقيق، بحيث نحقق معادلة صعبة لكن ضرورية: تقديم تغطية موضوعية وافية للتصعيد الإقليمي، دون أن يكون ذلك على حساب المأساة المستمرة في القطاع فالمصداقية الإعلامية لا تبنى على الانحياز لأحدث الصراعات، بل على الاستمرار في عرض الحقيقة الكاملة دون انتقائية.

لقد حققت مصر – بدبلوماسيتها النشطة وإعلامها الوطني الواعي – نجاحا كبيرا في الأشهر الماضية، ونجحت في إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية، بل واستطاعت أن تعدل موازين الرأي العام العالمي، وتكشف زيف الدعاية الإسرائيلية التي طالما حاولت أن تضع الضحية في مكان الجلاد وهذا النجاح يجب ألا يضيع في زحام الأحداث، بل يجب أن يصان ويبنى عليه.

التحركات المصرية السياسية، من استضافة القمم، إلى المبادرات الإنسانية، وفتح معبر رفح رغم المخاطر، ومواصلة ضخ المساعدات الطبية والغذائية، تشكل جزءا من معركة الوعي العالمية، وتعزز صورة مصر كصوت العقل في المنطقة لكن التحدي الأكبر يكمن في الحفاظ على الزخم، وعدم السماح لأي صراع آخر بأن يسحب البساط من تحت أقدام العدالة.

إننا أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن نسمح لآلة الدعاية الإسرائيلية أن تحول أنظار العالم إلى اتجاهات أخرى، أو أن نثبت قدرتنا على خوض أكثر من معركة في آن واحد، دون أن نتخلى عن القيم والمبادئ، التوازن مطلوب، لكنه يجب أن يكون بوعي وانحياز للحق، لا تساو بين الضحية والجلاد.

على الأحزاب والقوى السياسية في العالم العربي أن تدرك أن الدفاع عن فلسطين لم يعد ترفا ولا خطابا إنشائيا، بل هو مسؤولية تاريخية ترتبط بوجودنا وهويتنا، كما أن الإعلام العربي يجب أن يستمر في نقل الواقع من غزة، من الميدان لا من استوديوهات التحليل، لأن الصورة التي تنقل من تحت الأنقاض أقوى ألف مرة من أي بيان سياسي.

وفي الختام، فإن صوت غزة يجب أن يبقى مرتفعا، لا يغرقه ضجيج المدافع في أي مكان آخر وعلينا أن ندرك أن كل طفل يقتل هناك، وكل منزل يهدم، هو صفحة جديدة في سجل الجرائم التي لن تمحى، فلتكن يقظتنا السياسية والإعلامية حصنا يحول دون تغييب هذه القضية العادلة، ودعونا نواصل معركتنا على كل الجبهات – بالسلاح، بالكلمة، بالصورة، وبالموقف، فغزة لا تنتظر منا الشفقة، بل تطالبنا بالعدل.