الأربعاء، 15 يوليو 202612:34 صباحاً
آراء حرة

طاهر أبوزيد يكتب: هل آن الأوان لإطار تشريعي متكامل للعاملين عبر التطبيقات الرقمية؟

الثلاثاء، 14 يوليو 2026 12:55 مساءً
طاهر أبوزيد يكتب: هل آن الأوان لإطار تشريعي متكامل للعاملين عبر التطبيقات الرقمية؟
طاهر أبو زيد
15

قبل عقدين من الزمن، كانت بيئة العمل أكثر استقرارًا وأقل تعقيدًا. كان العامل يتوجه إلى مقر عمله، ويرتبط بصاحب عمل واحد، ويؤدي مهامًا محددة في إطار علاقة قانونية واضحة. ومن هذا الواقع انطلق قانون العمل رقم (12) لسنة 2003، الذي عكس طبيعة الاقتصاد وسوق العمل في ذلك الوقت.

 

لكن العالم تغير.

 

لم تعد الوظيفة التقليدية هي النموذج الوحيد للعمل، ولم يعد مقر الشركة هو المكان الوحيد للإنتاج. فقد فرضت الثورة الرقمية واقعًا جديدًا، أصبح فيه الهاتف المحمول منصة للعمل، والخوارزمية مديرًا غير مرئي، والتطبيقات الرقمية وسيطًا بين مقدم الخدمة والعميل.

 

واليوم، يعتمد آلاف الشباب في مصر على تطبيقات النقل الذكي، ومنصات التوصيل، والعمل الحر، والتطبيقات الرقمية، كمصدر رئيسي للدخل، بينما تتسع هذه المنظومة عامًا بعد آخر مدفوعة بالتحول الرقمي والتطور التكنولوجي.

 

وقد استجاب المشرع المصري لهذه المتغيرات بإصدار قانون العمل رقم (14) لسنة 2025، الذي اعترف لأول مرة بأنماط العمل الحديثة، مثل العمل عن بُعد، والعمل المرن، والعمل الجزئي، والعمل عبر المنصات الرقمية. وهي خطوة مهمة تعكس إدراكًا لتغير طبيعة سوق العمل، وتؤكد أن التشريع بدأ يواكب الواقع الجديد.

 

إلا أن الاعتراف القانوني يمثل بداية الطريق، وليس نهايته.

 

فالاقتصاد الرقمي لا يخلق فقط أنماطًا جديدة من العمل، بل يفرض تحديات قانونية ومؤسسية تختلف عن تلك التي عرفتها علاقات العمل التقليدية.

 

فإذا أوقفت منصة رقمية حساب أحد العاملين بسبب قرار صادر عن خوارزمية أو نظام تقييم داخلي، فما هي الضمانات التي تكفل له حق التظلم؟

 

وإذا كان العامل يقدم خدماته عبر أكثر من منصة في الوقت نفسه، فكيف تُنظم حقوقه التأمينية والاجتماعية؟

 

ومن يتحمل مسؤولية السلامة المهنية في بعض الأنشطة عالية المخاطر؟

 

وكيف تُدار النزاعات بين العامل والمنصة في ظل غياب العلاقة التقليدية بين العامل وصاحب العمل؟

 

هذه الأسئلة لا تقلل من أهمية قانون العمل الجديد، لكنها تكشف أن الاقتصاد الرقمي يتطور بوتيرة أسرع من التشريعات العامة، وأن بعض القضايا تحتاج إلى تنظيم أكثر تخصصًا ومرونة.

 

ولا يتعلق الأمر بإصدار قانون جديد لمجرد إصدار التشريعات، وإنما ببناء إطار قانوني متكامل يوازن بين تشجيع الابتكار والاستثمار في الاقتصاد الرقمي، وبين حماية حقوق العاملين، بما يحقق اليقين القانوني لجميع الأطراف.

 

فالتجارب الدولية تتجه اليوم إلى وضع قواعد أكثر وضوحًا لتنظيم العمل عبر المنصات الرقمية، ليس بهدف تقييد هذا القطاع، وإنما لضمان استدامته، وتحقيق العدالة، وخلق بيئة عمل أكثر استقرارًا.

 

وفي تقديري، فإن النقاش لم يعد يدور حول الاعتراف بالعمل الرقمي، فقد حُسم هذا الأمر تشريعيًا، وإنما حول استكمال البناء القانوني والمؤسسي لهذا القطاع، حتى يصبح جزءًا متكاملًا من منظومة العمل في مصر.

 

وفي مقال سابق، طرحت سؤالًا حول “من سينظم مهن المستقبل؟” باعتباره سؤالًا يتعلق بالمؤسسات التي ستقود المرحلة المقبلة. أما اليوم، فأرى أن هناك سؤالًا يسبقه منطقيًا: هل أصبح الإطار التشريعي نفسه مستعدًا لاستيعاب هذه المهن؟

 

فالتشريع هو نقطة البداية، والمؤسسات هي الخطوة التالية.

 

وإذا كانت الدولة قد بدأت بالفعل في تحديث قانون العمل بما يستوعب أنماط العمل الحديثة، فإن المرحلة القادمة يجب أن تتجاوز مجرد الاعتراف بهذه الأنماط، إلى بناء منظومة متكاملة تضمن حقوق العاملين، وتنظم العلاقة بين أطرافها، وتستعد لما هو قادم، لا لما هو قائم فقط.

 

لأن مستقبل العمل لن تصنعه التكنولوجيا وحدها، وإنما ستصنعه أيضًا التشريعات القادرة على مواكبتها، والمؤسسات القادرة على تطويرها، والرؤية التي تسبق التغيير.