السبت، 4 يوليو 20265:24 مساءً
آراء حرة

اللواء د. رضا فرحات يكتب: حصن الوطن

السبت، 04 يوليو 2026 01:28 مساءً
اللواء د. رضا فرحات يكتب: حصن الوطن
اللواء د. رضا فرحات
15

في لحظة ستظل محفورة في ذاكرة الوطن، يقف المصريون أمام مشهد يبعث الفخر ويعزز الثقة في المستقبل اصطف المصريون أمام حدث استثنائي تمثل في افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للقوات المسلحة بالعاصمة الإدارية الجديدة، ليعلن انطلاق مرحلة جديدة في بناء القوة المصرية، ترتكز على أحدث منظومات القيادة والسيطرة والاستعداد لمواجهة تحديات المستقبل وفق أحدث ما وصلت إليه منظومات القيادة والسيطرة في العالم، ليؤكد هذا الصرح أن أمن الوطن لا يترك للمصادفات أو ردود الأفعال، بل يبنى على عقيدة راسخة قوامها التخطيط الدقيق، والعلم، والاستعداد الدائم.

 

نحن نعيش في منطقة ملتهبة، عالم يتغير فيه كل شيء بسرعة الضوء، الحدود لم تعد كما كانت، والتهديدات لم تعد تأتي بجنود ودبابات فقط، اليوم نحن نواجه حروبا سيبرانية تخترق أعماق الدول، وحروبا نفسية وإعلامية تهدف إلى زعزعة الاستقرار من الداخل، وإرهابا عابرا للحدود لا يعترف بقوانين ولا بشرائع وفي خضم هذا كله، كان لا بد من قرار جريء، قرار يقول إن مصر لن تنتظر الخطر ليطرق بابها، بل ستسبقه بخطوات واثقة، ولأن مصر دولة ذات ثقل استراتيجي ومسؤوليات إقليمية متنامية، فإنها تحتاج إلى منظومة قيادة وسيطرة متطورة، توحد الرؤية، وتنسق الجهود، وتوفر القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب وفق أعلى درجات الكفاءة والاحترافية.

 

عندما تتأمل تصميم هذا المقر، تشعر وكأنك تقرأ كتابا مفتوحا عن مصر، النجمة الثمانية التي تتوسط المبنى ليست مجرد شكل هندسي جميل، إنها تجمع بين رمزية الحضارة الفرعونية العريقة وجماليات الفن الإسلامي الأصيل وكأنما تقول لنا الأجيال القادمة: نحن أمة ضاربة في عمق التاريخ، ولكننا أيضا نمضي نحو المستقبل بكل ثقة وإبداع، المساحة الشاسعة التي تمتد على آلاف الأفدنة، والمدينة المتكاملة التي تضم كل ما تحتاجه منظومة القيادة من مراكز بيانات وخدمات لوجستية، كلها تؤكد أننا لم نبن هذا الصرح للاستعراض، بل بنيناه ليعيش ويستمر، ليكون درعا حاميا لمصر في عقود قادمة.

 

 

اسمحوا لي أن أقول بكل وضوح، إن هذا المقر يبعث برسائل متعددة الأوجه، للعالم نقول: مصر تمتلك إرادة القوة، ومصر قادرة على حماية أمنها القومي بكل حزم، ومصر لن تسمح لأي كان بالمساس بمقدراتها أو التهديد باستقرارها، نحن لسنا دولة معتدية، ولكننا أيضا لسنا دولة ضعيفة، ولن نكون أبدا وللمصريين نقول: هذا هو وطنكم، هذه هي مؤسساتكم التي تبنيها لكم الدولة بحب وإخلاص كل جهد يبذل في تحديث قواتنا المسلحة هو استثمار في راحتكم وأمنكم، هو رسالة تطمين بأن هناك من يسهر على حماية أحلامكم ومستقبل أولادكم.

 

 

ولا يكتمل الحديث عن هذا الصرح دون توجيه التحية إلى رجال القوات المسلحة المصرية، الذين يجسدون بمعاني الانضباط والإخلاص عقيدة وطنية راسخة، عنوانها أن حماية الوطن مسؤولية لا تعرف التهاون، فخلف كل إنجاز يتحقق، يقف رجال يؤدون واجبهم في صمت، مؤمنين بأن أمن مصر واستقرارها أمانة تستحق كل جهد وتضحية وهؤلاء هم الثروة الحقيقية للوطن، والسياج الذي يحفظ مقدراته ويصون مستقبله، وحن إذ نفتخر بهذا المقر، فإننا نفتخر أكثر بالرجال الذين سيديرونه، وبالقيادة الحكيمة التي آمنت بأهمية هذا المشروع وأصرت على تنفيذه رغم كل التحديات.

 

هذا هو نهج مصر، نهج البناء في وقت الأزمات، نهج التحدي في وجه الصعاب، نهج من لا يعرف المستحيل، ويبقى مقر القيادة الاستراتيجية أكثر من مجرد منشأة عسكرية حديثة؛ فهو شاهد على رؤية دولة أدركت أن قوة الأوطان لا تقاس بما تمتلكه من سلاح فحسب، بل بما تبنيه من مؤسسات قادرة على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها.

 

 

تحيا مصر، تحيا قواتها المسلحة، وتحيا إرادة شعب لا يعرف الاستسلام.