
لم تكن ثورة 30 يونيو مجرد حدث سياسي عابر في تاريخ مصر الحديث، بل كانت ملحمة وطنية بامتياز، تجسدت فيها إرادة شعب رفض المساس بهويته وتاريخه. وفي قلب هذه الملحمة، وقفت المرأة المصرية في الخطوط الأمامية، لتسطر بوعيها وشجاعتها فصلاً استثنائياً أكد أنها كانت، وما زالت، صمام أمان الدولة المصرية وحامية وجدانها وحضارتها.
بدأت ملحمة المرأة المصرية قبل انطلاق الثورة بأيام، حيث كانت المحرك الأساسي لحشد الشارع؛ إذ استشعرت الأمهات والزوجات والفتيات الخطر الذي يهدد مستقبل أبنائهن وهوية وطنهن، فحولن هذا القلق إلى طاقة دفع هائلة من خلال قيادة حملات التوعية داخل الأسر وفي المجتمعات الصغيرة لحث الجميع على المشاركة. ومع دقات السادسة من مساء 30 يونيو، غصت الميادين بملايين السيدات والفتيات من مختلف الأعمار والمستويات الاجتماعية، في مشهد مهيب لفت أنظار العالم وأثبت أن المرأة هي صوت الثورة وأيقونتها، بعدما تخطت كافة المخاوف والتهديدات الأمنية، ووقفت تحمل علم مصر وتخلق حالة من الحماس والإصرار في نفوس المتظاهرين لاستكمال المسيرة حتى تحقيق المطالب المشروعة.
ولم يقتصر هذا الحراك البطولي على العاصمة فحسب، بل امتد ليعبر عن أصالة المرأة في كافة أقاليم مصر ومحافظاتها؛ وكان لـ “حرائر مدينة بنها” بمحافظة القليوبية حضور لافت ومؤثر في هذه الملحمة. فمع انطلاق شرارة الثورة، انتفضت نساء وفتيات بنها وتجمعن بكثافة في الميادين الرئيسية للمدينة، وعلى رأسها “ميدان الإشارة” وشوارعها الحيوية. وقادت سيدات بنها مسيرات حاشدة طافت أرجاء المدينة، وضمت طبيبات، ومعلمات، وربات بيوت، وطالبات بجامعة بنها، حيث تعالت هتافاتهن الوطنية الرافضة للإقصاء والمطالبة باستعادة الهوية المصرية. وقد ضربت المرأة في بنها أروع الأمثلة في الصمود والتنظيم السلمي، وشكلت درعاً لحماية المتظاهرين وحافزاً قوياً للشباب والرجال للنزول والمشاركة، مما جعل من حراك مدينة بنها نموذجاً يُحتذى به في التلاحم الوطني والوعي السياسي الشعبي.
إن هذا الدور البطولي الفريد للمرأة المصرية في 30 يونيو لم يكن ليمر دون تقدير؛ فقد أدركت القيادة السياسية في أعقاب الثورة أن المرأة هي الركيزة الأساسية لبناء “الجمهورية الجديدة”. ونتيجة لذلك، شهدت السنوات التالية طفرة غير مسبوقة في تمكين المرأة على كافة الأصعدة؛ فسياسياً، وصلت المرأة إلى مقاعد البرلمان ومجلس الشيوخ بنسب هي الأعلى في تاريخها، وتقلدت مناصب وزارية وحقائب سيادية، بالإضافة إلى جلوسها على منصة القضاء لأول مرة.





