
تقترب امتحانات الثانوية العامة، لتعود معها حالة الترقب والاهتمام التي تعيشها ملايين الأسر المصرية كل عام، باعتبارها واحدة من أهم المراحل التعليمية التي تحدد ملامح المستقبل الأكاديمي والمهني للطلاب. فالثانوية العامة ليست مجرد اختبارات دراسية، بل تمثل محطة فارقة في رحلة بناء الإنسان وتأهيله للمشاركة الفاعلة في المجتمع، وهو ما يجعل الحفاظ على نزاهة هذه المنظومة التعليمية مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة.
وخلال الفترة الأخيرة، أثار فيلم “برشامة” حالة واسعة من الجدل بسبب تناوله قضية الغش في امتحانات الثانوية العامة، وهي واحدة من القضايا التي تمثل تحديًا حقيقيًا أمام المنظومة التعليمية. فالغش لا يُعد مجرد مخالفة للقواعد واللوائح، بل سلوكًا يهدد قيم الاجتهاد والانضباط ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب، كما يرسخ مفاهيم سلبية قد تدفع البعض للاعتقاد بأن النجاح يمكن تحقيقه بطرق غير مشروعة بعيدًا عن العمل الجاد والاعتماد على الذات.
ورغم أهمية تسليط الضوء على المشكلات المجتمعية من خلال الأعمال الفنية، فإن معالجة هذه القضايا تتطلب قدرًا كبيرًا من الوعي والمسؤولية. فالفن يمتلك دورًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وتعزيز الوعي المجتمعي، لكنه في الوقت ذاته مطالب بالالتزام بالضوابط الأخلاقية والثقافية التي تعكس هوية المجتمع وقيمه الراسخة.
ويرى عدد من المتابعين أن الجدل الذي صاحب الفيلم لم يرتبط فقط بتناوله لظاهرة الغش، بل امتد إلى طريقة عرض بعض المشاهد والعبارات التي اعتبرها البعض تجاوزًا للحدود المقبولة في النقد الدرامي، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الرموز الدينية والقيم الاجتماعية. وهو ما أثار ردود فعل واسعة بين قطاعات من الجمهور، التي أكدت أهمية احترام المقدسات الدينية والموروث الثقافي أثناء تناول القضايا الشائكة.
وتظل حرية الإبداع أحد المبادئ الأساسية في أي مجتمع يسعى إلى التطور والانفتاح، إلا أن هذه الحرية ترتبط بطبيعتها بمسؤولية موازية تضمن عدم الإساءة إلى الثوابت الدينية أو الأخلاقية. فالفن الحقيقي لا يكتفي بطرح المشكلات، بل يساهم في تقديم رؤى وحلول تعزز الوعي المجتمعي وتحافظ في الوقت نفسه على القيم التي يقوم عليها المجتمع.
وفي سياق متصل، فإن مواجهة ظاهرة الغش في الثانوية العامة لا يمكن أن تعتمد فقط على الإجراءات الرقابية أو العقوبات القانونية، بل تتطلب بناء ثقافة مجتمعية تؤمن بأن التفوق الحقيقي هو نتاج الاجتهاد والالتزام والعمل المستمر. فالأمم لا تتقدم بمجرد الحصول على الشهادات، وإنما بالكفاءات الحقيقية التي تُبنى على المعرفة والنزاهة والقدرة على الإبداع والإنتاج.
كما يقع على عاتق الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية دور محوري في ترسيخ قيم الأمانة واحترام العلم والانضباط، بما يضمن تخريج أجيال تؤمن بأن النجاح المستدام لا يتحقق إلا بالجهد الحقيقي، وأن الثانوية العامة يجب أن تظل بوابة لصناعة المستقبل لا منصة لتبرير الغش أو الترويج له.
وفي النهاية، تبقى حماية المنظومة التعليمية وصون القيم الدينية والأخلاقية مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن أي مشروع تنموي أو اقتصادي، لأن المجتمعات التي تحافظ على علمها وقيمها هي الأقدر على بناء مستقبل أكثر استقرارًا وإشراقًا للأجيال القادمة.





