
تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى قوة هائلة تعيد تشكيل طريقة تفكيرنا، وأنماط سلوكنا، وعلاقاتنا الإنسانية، بل وأحيانا مواقفنا السياسية والاجتماعية إلا أنه وبالرغم من ما قدمته من فرص غير مسبوقة لتبادل المعرفة وسرعة الوصول إلى المعلومات، نجد في المقابل أنها أفرزت تحديات بالغة الخطورة، جعلت منها سلاحا ذا حدين، يمكن أن يبني الوعي كما يمكن أن يهدمه، وأن يقرب بين الناس كما يمكن أن يزرع بينهم الفرقة والخصومة.
تبدأ الحكاية غالبا على نحو عادي؛ دقائق قليلة لتصفح الأخبار أو متابعة الأصدقاء، ثم تتحول هذه الدقائق إلى ساعات تستنزف الوقت والانتباه دون أن يشعر الإنسان ومع الاعتياد، تصبح الشاشة جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، ويتراجع التواصل الحقيقي لصالح تفاعل افتراضي لا يعوض دفء العلاقات الإنسانية ولا يغني عن الحوار المباشر بين أفراد الأسرة والمجتمع.
ولعل أكثر ما يدعو إلى القلق هو ما أحدثته هذه المنصات من تغيرات في منظومة القيم والأخلاق فقد أصبح المحتوى المثير للجدل، أو الصادم، أو المبتذل أكثر قدرة على الانتشار من المحتوى الهادف، وأصبحت الشهرة لدى البعض هدفا يبرر تجاوز كل الضوابط الأخلاقية، حتى باتت معايير النجاح لدى بعض الشباب تقاس بعدد المتابعين والإعجابات، لا بما يقدمه الإنسان من علم أو عمل أو إنجاز حقيقي.
أما الأسرة، فقد كانت من أكثر المؤسسات الاجتماعية تأثرا بهذا التحول فبينما يعيش أفرادها تحت سقف واحد، يعيش كل منهم في عالم رقمي مختلف، وتراجعت جلسات الحوار، وضعفت الروابط الأسرية، وأصبحت الهواتف الذكية تنافس الأب والأم في التربية والتوجيه، الأمر الذي أوجد فجوة بين الأجيال، وترك مساحة واسعة لتأثيرات خارجية قد لا تتوافق مع قيم المجتمع وثوابته.
ولم تقف التداعيات عند الجانب الاجتماعي، بل امتدت إلى الاقتصاد أيضا بإهدار ساعات طويلة في متابعة محتوى غير منتج بما ينعكس بصورة مباشرة على الإنتاجية، كما أن الشائعات الاقتصادية التي تنتشر عبر هذه المنصات قد تثير القلق في الأسواق، وتدفع بعض المواطنين إلى اتخاذ قرارات خاطئة، فضلا عن تنامي جرائم الاحتيال الإلكتروني والتسويق الوهمي التي تستهدف أموال المواطنين وثقتهم.
ويبقى الخطر الأكبر في السرعة الهائلة التي تنتقل بها الشائعات، فالمعلومة غير الصحيحة قد تصل إلى ملايين الأشخاص في دقائق معدودة، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت أطول حتى تظهر كاملة وهنا تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى بيئة خصبة لإثارة البلبلة، ونشر الفتن، وتأجيج الخلافات، واستغلال الأحداث لبث الكراهية والانقسام، خاصة عندما يغيب الوعي، ويتراجع التحقق من صحة المعلومات قبل تداولها.
وفي أوقات الأزمات، تصبح هذه المنصات إحدى ساحات حروب الوعي، حيث تستغلها بعض الجماعات والجهات المعادية لترويج الأكاذيب، وتشويه الحقائق، وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، مستفيدة من سرعة الانتشار وسهولة التأثير في الرأي العام لذلك، لم يعد الأمن المعلوماتي قضية تقنية فحسب، بل أصبح جزءا أصيلا من منظومة الأمن القومي وحماية استقرار المجتمعات.
ويبقى السؤال: كيف نحول هذه المنصات من مصدر للخطر إلى أداة للبناء؟
الإجابة تبدأ بالوعي، المستخدم هو خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات والتضليل، وعليه أن يدرك أن مشاركة معلومة غير موثقة قد تكون سببا في إثارة البلبلة أو الإضرار بمصالح أفراد أو مؤسسات كما أن ترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات، والالتزام بأخلاقيات النشر، ووضع حدود زمنية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، كلها خطوات ضرورية لاستعادة التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية، كما يقع على الأسرة، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، دور كبير في تنمية التفكير النقدي لدى الأجيال الجديدة، وتعزيز ثقافة الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، حتى تبقى هذه المنصات وسيلة للمعرفة والتواصل، لا أداة لنشر الفوضى أو تقويض منظومة القيم.
إن وسائل التواصل الاجتماعي ستظل واحدة من أهم أدوات العصر، لكن قيمتها الحقيقية لا تتحدد بما تتيحه من تقنيات، بل بكيفية استخدامها فإذا أحسن المجتمع توظيفها أصبحت قوة تدعم التنمية والوعي، أما إذا تركها بلا ضوابط، فإنها قد تتحول إلى مصدر لتآكل الأخلاق، وتفكك الأسرة، وإرباك الاقتصاد، وإشعال الشائعات والفتن، ويبقى الرهان دائما على وعي الإنسان، لأنه وحده القادر على أن يجعل من التكنولوجيا جسرا للتقدم، لا طريقا إلى الفوضى.




