Wednesday، 13 May 202604:50 PM
آراء حرة

أحمد العناني يكتب: ترامب في بكين.. هل تفرض الحرب على إيران إعادة صياغة العلاقات الأمريكية الصينية؟

الأربعاء، 13 مايو 2026 11:44 صباحًا
أحمد العناني يكتب: ترامب في بكين.. هل تفرض الحرب على إيران إعادة صياغة العلاقات الأمريكية الصينية؟
أحمد العناني – الباحث في الشئون الدولية
15

تكتسب زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصين أهمية استثنائية في ظل بيئة دولية شديدة التعقيد تتداخل فيها اعتبارات الأمن والطاقة والاقتصاد والتوازنات العسكرية فالزيارة تأتي بالتزامن مع تصاعد التوترات المرتبطة بـحرب إيران واستمرار التنافس التجاري والتكنولوجي بين واشنطن وبكين، إلى جانب بقاء ملف تايوان أحد أخطر بؤر التوتر في النظام الدولي المعاصر.

لذلك، لا يمكن قراءة هذه الزيارة باعتبارها مجرد تحرك دبلوماسي تقليدي بل باعتبارها جزءًا من محاولة أوسع لإعادة ضبط إيقاع العلاقات الدولية وإدارة التنافس بين القوتين الأكبر عالميًا
الحرب على إيران وإعادة ترتيب الحسابات الأمريكية.

لا يرتبط التصعيد الأمريكي تجاه إيران فقط بالملف النووي فقط وإنما يتجاوز ذلك إلى اعتبارات أوسع تتعلق بأمن الممرات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، والحد من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، فضلًا عن حماية التوازنات الإقليمية المرتبطة بحلفاء واشنطن في المنطقة.

غير أن أي مواجهة واسعة مع طهران تحمل في الوقت نفسه تداعيات معقدة على الاقتصاد العالمي والأمن الدولي فإغلاق أو تهديد خطوط الملاحة في الخليج العربي قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا وتعطيل سلاسل الإمداد، وخلق موجات جديدة من الضغوط التضخمية في الاقتصاد الدولي، خاصة في ظل هشاشة الأسواق العالمية بعد الحرب الروسية الأوكرانية والتباطؤ الاقتصادي العالمي.

وهنا تظهر المعضلة الاستراتيجية الأمريكية؛ إذ تدرك واشنطن أن استمرار الضغوط القصوى على إيران قد يدفع كلًا من الصين وروسيا إلى تعزيز شراكتهما السياسية والاقتصادية والعسكرية مع طهران بصورة أكبر، بما يخلق محورًا مضادًا للمصالح الأمريكية في أكثر من إقليم دولي. لذلك، تبدو الإدارة الأمريكية أكثر حرصًا على منع تزامن الأزمات الكبرى في وقت واحد، سواء في الشرق الأوسط أو شرق آسيا أو أوروبا.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الانفتاح النسبي تجاه الصين باعتباره محاولة لإدارة التنافس مع بكين بصورة أكثر هدوءًا، بما يسمح لواشنطن بإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية وتجنب الانخراط في مواجهات متعددة الجبهات في آن واحد.

النفط ومضيق هرمز.. المصالح الصينية في قلب الأزمة

ترتبط الحسابات الصينية تجاه الأزمة الإيرانية بمصالح استراتيجية مباشرة، في مقدمتها أمن الطاقة. فالصين تُعد أكبر مستورد للنفط في العالم ويعتمد اقتصادها الصناعي بصورة كبيرة على واردات الطاقة القادمة من منطقة الخليج العربي وإيران لاسيما أنها واحدة من أهم الدول المستوردة للنفط من ايران
وتبرز هنا الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم شرايين نقل الطاقة عالميًا، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها السوق الصينية.

وبالتالي، فإن استمرار التصعيد العسكري وعودة الحرب مجددا قد يهدد الملاحة في المضيق وينعكس بالسلب على الاقتصاد الصيني سواء سواء من خلال ارتفاع أسعار النفط، أو اضطراب سلاسل الإمداد، أو زيادة تكاليف الإنتاج والنقل.

كما أن أي اضطراب طويل الأمد في منطقة الخليج قد ينعكس بصورة أوسع على معدلات النمو والتجارة العالمية، وهو ما يمثل تحديًا مباشرًا لبكين التي تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار الأسواق الدولية.

ولهذا السبب تتبنى الصين سياسة حذرة تجاه التصعيد مع إيران، تقوم على تحقيق توازن دقيق بين شراكتها مع طهران، وعلاقاتها الاقتصادية المتنامية مع دول الخليج العربي، ورغبتها في تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وتعتمد على الدبلوماسية النشطة والانخراط فيها لعدم الانزلاق لمواجهة أمريكية إسرائيلية إيرانية مجددا

بحر الصين الجنوبي وصراع الممرات البحرية

ولا تقتصر الحسابات الاستراتيجية الأمريكية الصينية على منطقة الخليج العربي فقط، بل تمتد كذلك إلى بحر الصين الجنوبي الذي يمثل أحد أهم مسارح التنافس البحري والعسكري بين القوتين
فالولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز وجودها العسكري وحماية ما تسميه “حرية الملاحة” داخل منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في إطار استراتيجية أوسع لاحتواء النفوذ الصيني المتصاعد.

في المقابل، تنظر الصين إلى بحر الصين الجنوبي باعتباره جزءًا من مجالها الحيوي والأمني، لما يمثله من أهمية استراتيجية تتعلق بالتجارة الدولية، وطرق الطاقة، والنفوذ البحري، فضلًا عن ارتباطه المباشر بأمنها القومي ومكانتها الدولية الصاعدة. ولذلك، يشهد البحر خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في المناورات العسكرية والتحركات البحرية المتبادلة بين واشنطن وبكين، وسط مخاوف من تحول المنطقة إلى إحدى أخطر بؤر التوتر في النظام الدولي.

ومن ثم، فإن التوترات الممتدة من مضيق هرمز إلى بحر الصين الجنوبي تكشف أن التنافس الأمريكي الصيني لم يعد مقتصرًا على التجارة أو التكنولوجيا فقط، بل أصبح صراعًا أوسع يرتبط بالسيطرة على الممرات البحرية الدولية، وتأمين سلاسل الطاقة والتجارة العالمية، وإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي المعاصر

التنافس التجاري والتكنولوجي بين واشنطن وبكين

ورغم أهمية الملفات الأمنية، يبقى التنافس الاقتصادي والتكنولوجي المحرك الأعمق للعلاقات الأمريكية الصينية. فمنذ الولاية الأولى لترامب، دخل البلدان في صراع اقتصادي واسع شمل فرض رسوم جمركية متبادلة، وقيودًا على تصدير التكنولوجيا المتقدمة، إضافة إلى المنافسة الحادة في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والصناعات الرقمية.

وتنظر الولايات المتحدة إلى الصعود الاقتصادي والتكنولوجي الصيني باعتباره التحدي الأكبر لهيمنتها العالمية، بينما ترى بكين أن السياسات الأمريكية تستهدف إبطاء نموها ومنع تحولها إلى القوة الدولية الأولى خلال العقود المقبلة.

لكن في المقابل، فإن حجم التشابك الاقتصادي بين الاقتصادين الأمريكي والصيني يجعل من الصعب الوصول إلى قطيعة كاملة بين الطرفين، إذ ترتبط سلاسل الإنتاج والتجارة والاستثمار العالمية بصورة وثيقة بالقوتين معًا. لذلك، اتجه الطرفان خلال السنوات الأخيرة إلى تبني سياسة “إدارة التنافس”، بدلًا من الانزلاق إلى صدام اقتصادي شامل قد يؤدي إلى اضطراب واسع في الاقتصاد الدولي.

تايوان والعقدة الأمنية الأخطر

وإذا كان الاقتصاد يمثل ساحة التنافس الرئيسية، فإن ملف تايوان يبقى البعد الأمني والعسكري الأكثر حساسية في العلاقات الأمريكية الصينية. فبكين تعتبر الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وترفض أي تحركات أمريكية تدعم استقلالها أو توسع تعاونها العسكري مع الغرب.

في المقابل، تنظر واشنطن إلى تايوان باعتبارها نقطة ارتكاز استراتيجية في إطار احتواء النفوذ الصيني داخل منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إضافة إلى أهميتها التكنولوجية المرتبطة بصناعة الرقائق الإلكترونية العالمية.

لذلك، فإن استمرار الدعم الأمريكي لتايوان يمثل مصدر توتر دائم مع الصين، خاصة مع تصاعد المناورات العسكرية والتحركات البحرية المتبادلة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، فإن انشغال الولايات المتحدة بأزمات أخرى، وعلى رأسها التوتر مع إيران والحرب الروسية الأوكرانية، قد يدفع واشنطن إلى إدارة أزمة تايوان بصورة أكثر حذرًا خلال المرحلة الحالية، بهدف تجنب انفجار مواجهة استراتيجية كبرى مع الصين في توقيت شديد الحساسية.

منطق التهدئة المؤقتة وإدارة الصراع

في ضوء هذه المعطيات، تبدو زيارة ترامب إلى بكين جزءًا من محاولة أوسع لإعادة ترتيب الأولويات الدولية، وليس تعبيرًا عن انتهاء الخلافات بين الجانبين. فالتنافس الأمريكي الصيني ما يزال قائمًا على المستويات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، لكن الطرفين يدركان في الوقت نفسه أن التصعيد غير المحسوب قد يهدد استقرار النظام الدولي بأكمله.
ومن هنا، يمكن فهم التحركات الدبلوماسية المتبادلة باعتبارها محاولة لاحتواء الأزمات، وحماية الاقتصاد العالمي، ومنع انتقال التنافس من المستوى السياسي والاقتصادي إلى مواجهة عسكرية مباشرة، خاصة في ظل تشابك الملفات الدولية وتعقّد موازين القوى العالمية.

ختامًا

تكشف التطورات الحالية أن العلاقات الأمريكية الصينية دخلت مرحلة جديدة من التعقيد الاستراتيجي، لم يعد فيها الصراع قائمًا على ملف منفرد، بل أصبح تنافسًا مركبًا تتداخل فيه اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة والنفوذ الجيوسياسي.

فالحرب على إيران، وأمن الخليج العربي، والتنافس التجاري، وأزمة تايوان، والتوترات في بحر الصين الجنوبي، جميعها حلقات مترابطة داخل صراع أوسع على قيادة النظام الدولي وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية.

لذلك، فإن زيارة ترامب إلى بكين لا تعني نهاية التنافس بين القوتين، بقدر ما تعكس إدراكًا متبادلًا بأن إدارة الصراع أصبحت ضرورة استراتيجية، لتجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة متعددة الجبهات قد تهدد استقرار النظام الدولي والاقتصاد العالمي معًا.