
تسقط الأقنعة حين تتصارع المصالح، وتنكشف الحقائق حين يتحول أصحاب الشعارات إلى خصوم يتنازعون على المال والنفوذ، وهذا ما تكشفه الخلافات المتصاعدة داخل تنظيم الإخوان الإرهابي، الذي طالما حاول تسويق نفسه باعتباره صاحب مشروع ديني وسياسي، بينما تدور معاركه اليوم وتتكشف فضائحه على مصادر التمويل والكيانات والمنصات التي تمنحه القدرة على الحركة في الخارج ، وأصبحت الجماعة التي خاضت معاركها ضد الدولة المصرية تحت لافتات زائفة، تجد نفسها الآن أمام معركة من نوع آخر، لا تدور حول المبادئ التي تزعم الدفاع عنها، بل حول من يملك الأموال ومن يسيطر على مفاتيح النفوذ، وبين جبهات تتنازع القيادة وأجنحة تتبادل الاتهامات، تتآكل صورة التنظيم الذي ادعى التماسك، وتظهر تناقضاته إلى العلن.
اليوم نرى الفصل الأخير من هذه المسرحية الهزلية الدامية، حيث تحولت “دكاكين الإرهابية” من آلة لتمويل الفوضى إلى ساحة لصراع اللصوص على الغنائم بين عواصم الغرب، في مشهد يكشف عريهم أمام العالم أجمع، وسقطت ورقة التوت التي طالما تستروا خلفها، ولم يتبق سوى حقيقة واحدة: جماعة إرهابية تحولت إلى ما يشبه عصابات المافيا، تتقاتل على فتات الأموال المنهوبة، بينما يواصل الشعب المصري ودولته تفكيك إمبراطوريتها الخبيثة يوما بعد يوم.
لطالما راهن التنظيم الإرهابي على المتاجرة بالشعارات والدين، لكن السنوات الأخيرة كشفت زيف هذا الادعاء، وجاءت الضربة القاصمة من واشنطن، حيث صنفت الخزانة الأمريكية الفرعين المصري والأردني للجماعة ككيانات إرهابية عالمية، فيما وضعت الخارجية الأمريكية الفرع اللبناني على قوائم الإرهاب، و لم يتوقف الأمر عند ذلك بل تحول إلى عقوبات مالية موجعة طالت أسماء وكيانات كانت تعمل في الخفاء، ولم يعد بإمكان “دكاكين الإخوان” التخفي تحت عباءة العمل الخيري، بعد أن كشفت عقوبات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عن شبكة تمويل معقدة يديرها إرهابيون مقيمون في بريطانيا، على رأسهم الأمين العام لما يسمى بالأمانة العامة للجماعة امتد إلى شركات وهمية في الخارج كانت واجهة لغسيل الأموال وتحويل الأموال إلى حركات مسلحة، بل وقدمت خدمات مصرفية سرية لعصابات الجريمة المنظمة، وكل هذه حقائق موثقة في تقارير الخزانة الأمريكية التي وضعت النقاط على الحروف: أي مؤسسة مالية تتعامل مع هؤلاء الإرهابيين ستواجه عقوبات ثانوية قاسية.
إذا كان الوجه الخارجي للتنظيم هو الإرهاب وتمويله، فإن وجهه الداخلي هو الصراع الدنيء على المال، وقد انكشف المستور بعد سقوط محمود عزت، وانقسم التنظيم إلى جبهتين متناحرتين: جبهة لندن وجبهة إسطنبول، في صراع على «الغنائم» وكشفت الاتهامات المتعلقة باستيلاء قيادات إسطنبول على مبالغ كبيرة من أموال التبرعات عن ممارسات لا تختلف، في جوهرها، عن أساليب عصابات المافياؤ وسيطرت جبهة إسطنبول على خزينة التنظيم بالكامل، وأقصت جبهة لندن، وسط اتهامات متبادلة بالسرقة، في مشهد يجسد «خناقة اللصوص» وينذر بانهيار داخلي حتمي، حيث تسقط الأقنعة وتظهر حقيقة من يدعون أنهم «إصلاحيون»، بينما يتصارعون على اقتسام الأموال المنهوبة.
الدولة المصرية تواصل جهودها لحماية الأمن القومي والتصدي لمحاولات استهداف استقرارها، عبر منظومة متكاملة تجمع بين المواجهة الأمنية، والتحرك القانوني، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بمخاطر التنظيمات التي تسعى إلى توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسيةؤ وتؤكد التجربة المصرية أن مواجهة الإرهاب لا تتوقف عند ملاحقة العناصر المتورطة في أعمال العنف، بل تشمل أيضا تعزيز قدرة مؤسسات الدولة على حماية المجتمع، وترسيخ سيادة القانون، والتصدي للأفكار المتطرفة التي تستهدف عقول الشباب وتعمل على بث الفرقة بين المواطنين، وتظل قوة الدولة في تماسك مؤسساتها ووعي شعبها، وفي قدرتها على الجمع بين الحسم في مواجهة التهديدات والعمل المستمر من أجل التنمية والاستقرار، بما يغلق الطريق أمام محاولات بث الفوضى أو النيل من ثقة المصريين في دولتهم.
وتتسع أهمية هذه المواجهة مع تزايد اهتمام الدول الأوروبية بمخاطر التطرف وشبكات التمويل المرتبطة بالتنظيمات العابرة للحدود، في تطور يلتقي مع الرؤية المصرية التي حذرت مبكرا من أن خطر جماعة الإخوان لا يتوقف عند حدود دولة بعينها، بل يمتد إلى استقرار المجتمعات وأمن المنطقة فقد شهدت بريطانيا مراجعات لملف الجماعة، وتناولت تقارير فرنسية مخاوف بشأن نفوذ بعض التيارات الإسلامية داخل مؤسسات دينية ومجتمعية، فيما شهدت النمسا تحركات أمنية في قضايا تتعلق بالاشتباه في تمويل الإرهاب وغسل الأموال، وتؤكد هذه التطورات أهمية التعاون الدولي في مواجهة التطرف وتجفيف مصادر تمويله، وهي معركة تخوضها مصر انطلاقا من إدراكها أن حماية الأمن القومي لا تنفصل عن حماية وعي المجتمع وصون استقراره، وأن التصدي للتنظيمات التي توظف الدين لتحقيق أهداف سياسية يتطلب موقفا حاسما يستند إلى القانون والأدلة والتنسيق بين الدول.
لقد سقطت “دكاكين الجماعة الإرهابية” واحدة تلو الأخرى، من القاهرة إلى واشنطن، ومن لندن إلى إسطنبول، ولم يعد ما تبقى من تنظيم الإخوان الإرهابي سوى صراعات داخلية تكشف حجم الانقسام الذي يضرب قياداته، بعدما تحولت الأموال ومصادر التمويل إلى محور للتنازع وتصفية الحسابات، وبينما تتكشف خلافاتهم أمام العالم، تتراجع قدرتهم على إخفاء حقيقة المصالح التي تحركهم، وتتزايد التساؤلات حول شبكاتهم المالية وأدوار الكيانات التابعة لهم، ويبقى الرهان على وعي الشعب المصري وقدرته على التمييز بين الحقائق وحملات التضليل، وإدراك أن حماية الدولة ومؤسساتها تتطلب اليقظة والمعلومات الموثوقة وتطبيق القانون بحسم على كل من يثبت تورطه.





