الجمعة، 9 أكتوبر 202612:21 صباحاً
آراء حرة

الدكتور أحمد عبدالعال يكتب .. مصرمن عبور أكتوبر إلى صناعة السلام.. هكذا تُدار قوة الدولة المصرية

الخميس، 08 أكتوبر 2026 04:40 مساءً
الدكتور أحمد عبدالعال يكتب .. مصرمن عبور أكتوبر إلى صناعة السلام.. هكذا تُدار قوة الدولة المصرية
أحمد عبد العال
15

في كل عام، يأتي السادس من أكتوبر محمّلًا بذاكرة وطنية لا تنتهي، لكن قيمة أكتوبر الحقيقية لا تكمن فقط في استعادة مشاهد العبور، أو استحضار بطولات رجال القوات المسلحة، وإنما في فهم كيف صنعت مصر من الحرب طريقًا إلى السلام، ومن النصر العسكري مسارًا لاستعادة كامل الأرض.

 

وهذه ربما تكون واحدة من أهم الرسائل التي يجب أن نتوقف أمامها اليوم.

 

ففي السادس من أكتوبر 1973، عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس، وحطمت جزءًا أساسيًا من منظومة الاحتلال، وأعادت للمصريين ثقتهم في قدرتهم على استعادة الحق. وقد كان ذلك نتاجًا لإعداد طويل وتخطيط دقيق وإرادة سياسية وعسكرية متكاملة. (SIS)

 

لكن الأهم أن الدولة المصرية لم تتعامل مع النصر باعتباره نهاية الطريق.

 

فبعد أن تحدثت مصر بلغة القوة في ميدان المعركة، انتقلت إلى لغة السياسة والتفاوض، دون أن تتخلى عن ثوابتها أو حقوقها.

 

وهنا تظهر أهمية تجربة الرئيس الراحل أنور السادات.

 

لقد أدرك السادات أن الهدف لم يكن أن تستمر الحرب إلى ما لا نهاية، وإنما أن تستعيد مصر أرضها وحقوقها وتفتح الطريق أمام سلام يحفظ مصالحها. ولهذا انتقلت مصر من ميدان القتال إلى مسار سياسي انتهى بتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في مارس 1979، ثم استكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء وعودة السيادة المصرية عليها. (SIS)

 

وهذا هو الدرس الذي يجب ألا نغفل عنه:

 

الدولة القوية لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تخشاها عندما تصبح ضرورة للدفاع عن حقوقها. والدولة الحكيمة لا تجعل الحرب هدفًا، بل تستخدم كل أدواتها للوصول إلى السلام الذي يحفظ مصالحها.

 

أكتوبر إذن لم يكن مجرد معركة عسكرية.

 

كان قرارًا استراتيجيًا.

 

وكان أيضًا نموذجًا لكيفية إدارة الدولة لأدوات القوة.

 

فالقوة العسكرية صنعت واقعًا جديدًا، والدبلوماسية استثمرت هذا الواقع، والتفاوض حافظ على الهدف، وصولًا إلى استعادة الأرض المصرية.

 

ومن هنا، فإن الحديث عن أكتوبر اليوم يجب ألا يبقى أسير الماضي.

 

فمصر التي واجهت تحدي استعادة سيناء في السبعينيات، تواجه اليوم تحديات مختلفة في طبيعتها، لكنها لا تقل أهمية في تأثيرها على الأمن القومي.

 

هناك تحديات إقليمية متسارعة، وصراعات حول مصر، وتغيرات في موازين القوى، وأزمات اقتصادية وأمنية، وحروب معلومات وشائعات، ومحاولات للتأثير في وعي الشعوب.

 

وهنا يصبح سؤال أكتوبر أكثر إلحاحًا:

 

كيف نحافظ على قوة الدولة في زمن تغيرت فيه طبيعة المعارك؟

 

الإجابة تبدأ من فهم أن الأمن القومي لم يعد عسكريًا فقط.

 

نحتاج إلى اقتصاد قوي، ومؤسسات قادرة، وشباب مؤهل، ووعي مجتمعي يحمي الدولة من الشائعات والاستقطاب، وسياسة خارجية تتحرك وفق المصالح الوطنية، وقدرة مستمرة على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية.

 

إن حماية الوطن اليوم لا تكون فقط بحماية حدوده، وإنما أيضًا بحماية قراره الوطني، واقتصاده، ووعيه، ومستقبله.

 

وهنا تحديدًا يجب أن نعيد قراءة تجربة أكتوبر من منظور الأجيال الجديدة.

 

فجيل أكتوبر كان مطالبًا بتحرير الأرض، فحمل السلاح وعبر.

 

أما جيلنا اليوم، فهو مطالب بأن يعبر بمصر إلى مرحلة جديدة من القوة والتنمية والاستقرار.

 

هم عبروا القناة.. ونحن مطالبون بعبور التحديات.

 

هم دافعوا عن الأرض، ونحن مطالبون ببناء الإنسان.

 

هم خاضوا معركة استعادة السيادة، ونحن مطالبون بالحفاظ عليها وتعزيزها.

 

وهذا هو المعنى الحقيقي لاستمرار أكتوبر في وجدان المصريين.

 

أن النصر ليس لحظة تنتهي بانتهاء المعركة، وإنما مسؤولية تتوارثها الأجيال.

 

ومن موقعنا في حزب كيان مصر، نرى أن استلهام أكتوبر يجب أن يتحول إلى مشروع عمل سياسي ومجتمعي يقوم على إعداد الشباب، وتأهيل الكوادر، وترسيخ ثقافة الحوار، وربط العمل السياسي بالمعرفة والمسؤولية الوطنية.

 

فلا يمكن أن نبني دولة قوية بشعارات فقط، كما لا يمكن أن نحمي السلام دون أن نمتلك مقومات القوة التي تحميه.

 

القوة والسلام ليسا نقيضين.

 

بل إن تجربة مصر تؤكد أن القوة عندما تُدار بعقل الدولة يمكن أن تكون طريقًا إلى السلام، وأن السلام عندما يقوم على احترام الحقوق والسيادة يمكن أن يكون أحد أدوات حماية الأمن القومي.

 

وفي هذه الذكرى، لا نحتاج فقط إلى أن نسأل: ماذا حدث في أكتوبر؟

 

بل يجب أن نسأل:

 

ماذا تعلمنا من أكتوبر؟ وماذا سنفعل بهذه الدروس؟

 

تعلمنا أن المستحيل يصبح ممكنًا عندما تتوافر الإرادة.

 

وتعلمنا أن التخطيط يصنع الفارق.

 

وتعلمنا أن وحدة الدولة والشعب تمنح الوطن قوته.

 

وتعلمنا أن النصر العسكري يحتاج إلى رؤية سياسية تحافظ على نتائجه.

 

وتعلمنا قبل كل شيء أن مصر تستطيع أن تعبر عندما تعرف هدفها، وتوحد إرادتها، وتستخدم أدواتها في الوقت المناسب.

 

واليوم، نحن أمام عبور جديد.

 

ليس عبر قناة السويس هذه المرة، وإنما عبر تحديات المستقبل.

 

عبور نحو دولة أكثر قدرة، واقتصاد أكثر تنافسية، وشباب أكثر مشاركة، ووعي أكثر صلابة، ومكانة إقليمية ودولية تليق بمصر.

 

رحم الله شهداء أكتوبر، وحفظ أبطال القوات المسلحة، وحفظ مصر وشعبها.

 

فقد عبروا بنا بالأمس من الهزيمة إلى النصر..

 

وعلينا اليوم أن نعبر بمصر من النصر إلى مستقبل أقوى.

 

كل عام ومصر عزيزة، قوية، وقادرة على العبور. 🇪🇬