الأربعاء، 7 أكتوبر 20263:37 صباحاً
آراء حرة

د. فايزة خطاب تكتب : انتصارات أكتوبر.. حين أصبح التخطيط الاستراتيجي سلاحًا لصناعة النصر (قراءة تاريخية)

الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 12:57 صباحًا
د. فايزة خطاب تكتب : انتصارات أكتوبر.. حين أصبح التخطيط الاستراتيجي سلاحًا لصناعة النصر (قراءة تاريخية)
د. فايزة خطاب
15

انتصارات أكتوبر 1973، وفي مقدمتها العبور التاريخي لقناة السويس وتحطيم خط بارليف، شكلت لحظة فارقة في تاريخ مصر، وجسدت قدرة القوات المسلحة المصرية على تنفيذ واحدة من أكثر العمليات العسكرية تعقيدًا في ظل اختلال واضح في موازين القوة. ولم يكن هذا العبور حدثًا عسكريا منفصلا عن سياقه، وإنما جاء تتويجًا لسنوات من إعادة بناء القوات المسلحة، واستعادة كفاءتها وثقتها، ودراسة قدرات الخصم، وتحديد الهدف، وإدارة الخداع والمفاجأة، وتوظيف عناصر القوة المصرية والعربية في التوقيت المناسب. ومن هنا تبرز انتصارات أكتوبر باعتبارها نموذجًا فريدًا وكيف يمكن للدولة أن تحول الإرادة الوطنية إلى قدرة، والقدرة إلى تخطيط، والتخطيط إلى إنجاز عسكري أعاد تشكيل معادلات القوة، وفتح الطريق أمام تحول استراتيجي وسياسي أوسع في المنطقة.

 

حولت مصر هزيمة يونيو 1967 إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء القوة والاستعداد لاستعادة الأرض والحق. وخلال حرب الاستنزاف، لم يقتصر الهدف على استنزاف قدرات العدو، بل امتد إلى اكتساب الخبرة القتالية، واختبار القدرات، ودراسة أساليب الخصم، وإعادة تنظيم القوات، وتطوير وسائل المواجهة. ومن هذه التجربة تبلورت قاعدة استراتيجية شديدة الأهمية: تحويل الهزيمة إلى معرفة، والمعرفة إلى قدرة، والقدرة إلى خطة.

 

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للتخطيط الاستراتيجي المصري. فالتخطيط لا يبدأ من الرغبة في تحقيق النصر، وإنما من تحديد الهدف، وفهم البيئة المحيطة، وتقدير عناصر القوة والضعف، ومعرفة قدرات الخصم، ثم اختيار الوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق الهدف في ظل الواقع القائم. وقد أدركت القيادة المصرية أن إسرائيل تمتلك تفوقًا نوعيًا في مجالات عسكرية وتكنولوجية مهمة ودعم غربي كبير، ولذلك لم يكن من المنطقي الدخول في مواجهة تتيح لهذا التفوق أن يعمل وفقًا لقواعده الخاصة. ومن ثم أصبح السؤال الاستراتيجي: كيف يمكن لمصر أن تستخدم ما تمتلكه من قدرات بطريقة تحد من قدرة الخصم على توظيف نقاط تفوقه؟

 

هنا تحول التخطيط الاستراتيجي إلى سلاح.

 

لم تكن خطة أكتوبر مجرد قرار بالهجوم، بل كانت منظومة متكاملة من الإعداد والتوقيت والخداع والمفاجأة والتنسيق بين أفرع القوات المسلحة. فالعبور لم يكن نتيجة لحظية، وإنما كان ثمرة تخطيط دقيق لدراسة الخصم وتحركاته وتقديراته. وقد نجحت مصر في بناء صورة ذهنية لدى القيادة الإسرائيلية جعلتها تفسر التحركات المصرية وفقًا لافتراضاتها السابقة، وهو ما أسهم في إرباك منظومة الإنذار والتقدير، ومنح القوات المصرية ميزة اختيار التوقيت والبدأ.

 

وهنا تقدم أكتوبر درسًا بالغ الأهمية في علم الاستراتيجية: قد يبدأ الانتصار قبل إطلاق النار، عندما تنجح الدولة في إدارة إدراك خصمها لما ستفعله، وتمنعه من الاستعداد الكامل لحظة المواجهة.

 

أما العبور، فقد كان إنجازًا تاريخيًا وعسكريًا وهندسيًا واستراتيجيًا. فلم يكن مجرد انتقال للقوات عبر قناة السويس، وإنما كان عملية مركبة شاركت فيها القوات الجوية والمدفعية والمشاة والدفاع الجوي والقوات الهندسية ووخطط العبور والقيادة والسيطرة، للتكامل المنظومة وقد أدى كل عنصر دوره في التوقيت المناسب وفقًا للمخطط.

 

وهنا تتضح إحدى أهم سمات التجربة المصرية: لم تعتمد على سلاح منفرد لصناعة النصر، وإنما قامت على تكامل الأسلحة وتكامل الأدوار. فالقوة الجوية، والمدفعية، والدفاع الجوي، والمشاة، والهندسة العسكرية، ووسائل العبور، لم تعمل كعناصر منفصلة، بل تحولت إلى منظومة واحدة هدفها تحقيق غاية استراتيجية محددة لتحقيق النصر.

 

وكان التعامل مع خط بارليف أحد أبرز الأمثلة على هذا التفكير. فقد أقامت إسرائيل تحصينات وساترًا ترابيًا ضخمًا بهدف جعل عبور القناة أمرًا بالغ الصعوبة، لكن التفكير المصري لم يتعامل مع الساتر باعتباره عائقًا مطلقًا، وإنما باعتباره مشكلة يمكن حلها بالمعرفة والابتكار. ومن هنا جاء استخدام مضخات المياه لفتح الثغرات في الساتر الترابي، في مثال واضح على تحويل الحل الهندسي إلى أداة عسكرية حاسمة.

 

وهذه هي العبقرية المصرية في التخطيط: ألا تسأل فقط عن حجم العائق، وإنما عن الطريقة التي يمكن بها تغيير طبيعة العائق نفسه وتطويعه لخدمة الهدف.

 

وفي الوقت ذاته، أدى بناء منظومة الدفاع الجوي المصرية دورًا حاسمًا في الحد من حرية الحركة الجوية الإسرائيلية، وحماية القوات خلال العبور والتقدم. وأثبتت المعركة أن التفوق في عنصر واحد لا يكفي لحسم مواجهة وبناء منظومة متكاملة تعوض جوانب الضعف، وتستثمر نقاط القوة بكفاءة وفاعلية.

 

ومن هنا يصبح الحديث عن الجندي المصري جزءًا أصيلا من الحديث عن التخطيط الاستراتيجي نفسه. فالجندي هو الذي يحول الخطة من تصور إلى واقع، ومن قرار إلى إنجاز. وقد تجلت في أكتوبر شجاعة الجندي المصري الباسل، وقدرته على التحمل، وانضباطه، والتزامه بالتعليمات، واستعداده للتضحية، وإيمانه بالهدف. ولم تكن هذه الصفات وليدة لحظة المعركة، وإنما كانت ثمرة عملية طويلة من إعادة بناء القوات المسلحة وإعداد الإنسان وعقيدة الجيش المصري.

 

ولهذا فإن دلالة وصف الجيش المصري بأنه من «خير أجناد الأرض» تظهر في هذه القيم التي تجسدت في الميدان: الشجاعة، والانضباط، والصبر، وتحمل المسؤولية، والتضحية من أجل الوطن. فالقوة العسكرية في النهاية لا تقاس بالسلاح وحده، وإنما بالإنسان القادر على استخدامه في إطار هدف واضح، وعقيدة راسخة، وإرادة وطنية.

 

ولم تكن حرب أكتوبر مواجهة مصرية إسرائيلية معزولة عن محيطها العربي، وإنما جرت في إطار بيئة عربية أوسع أسهمت في تشكيل نتائجها. فقد فتحت الجبهة السورية ضغطًا عسكريًا إضافيًا، وشاركت دول عربية في الدعم العسكري والسياسي، كما أصبح النفط أداة من أدوات الضغط في البيئة الدولية. وهنا تتجلى أهمية النظر إلى الحرب من منظور العلاقات الدولية، إذ لم تعد القوة تعني فقط عدد الجنود والأسلحة، وإنما أصبحت تشمل الجغرافيا، والموارد، والطاقة، والتحالفات، والقدرة على التأثير في المواقف الدولية.

 

لذلك قدمت حرب أكتوبر نموذجًا للتكامل بين أدوات القوة الصلبة وأدوات التأثير السياسي والاقتصادي، وأظهرت أن توظيف عناصر القوة في إطار هدف مشترك يمكن أن يغير حسابات الأطراف الأخرى بصورة تتجاوز حدود القوة العسكرية المباشرة.

 

أما إسرائيل، فقد واجهت في أكتوبر اختبارًا عميقًا لمنظومة التقدير والردع والإنذار المبكر. فقد تعرضت افتراضات تشكلت بعد حرب 1967 حول التفوق العسكري، والقدرة على الردع، ومنع الحرب، إلى اختبار مفاجئ. ولم تكن المشكلة في غياب المعلومات وحدها، وإنما في تفسير المعلومات، وفي بناء تقديرات استندت إلى تصورات سابقة عن نوايا وقدرات الجانب المصري.

 

وهنا يبرز أحد أهم دروس أكتوبر في مجال الذكاء الاستراتيجي: امتلاك المعلومات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على فهمها، والتفوق التكنولوجي لا يمنع المفاجأة إذا أخطأت القيادة في قراءة نوايا الخصم، والتحصينات مهما بلغت قوتها لا يمكن أن تكون بديلا عن التقدير السليم للبيئة الاستراتيجية.

 

ولهذا تركت الحرب أثرًا عميقًا علي إسرائيل والجندي الإسرائيلي، تمثل في صدمة استخباراتية وعسكرية، وأزمة في مفهوم الردع، وتراجع في الثقة المجتمعية والسياسية بالمؤسسة العسكرية، وإعادة النظر في عدد من الافتراضات التي حكمت التفكير الأمني الإسرائيلي قبل الحرب.

 

أما بالنسبة إلى مصر، فقد تجاوز أثر الانتصار حدود الميدان العسكري. فقد أعادت الحرب بناء الثقة الوطنية، واستعادت مصر زمام المبادرة، وعادت القوة المصرية إلى موقعها المؤثر في الحسابات الإقليمية والدولية. والأهم أن القيادة المصرية لم تتعامل مع النصر باعتباره نهاية للصراع، وإنما وظفته لفتح مسار سياسي ودبلوماسي جديد واستخدمت أساليب التفاوض لترسيخ مفاهيمها واردتها الوطنية.

 

وهنا تظهر قاعدة أساسية في العلاقات الدولية: الانتصار العسكري تبلغ قيمته الاستراتيجية ذروتها عندما يتحول إلى مكسب سياسي.

 

فقد أسهم نصر أكتوبر في تغيير البيئة التي تحركت فيها الدبلوماسية المصرية، ومهد الطريق لمسار سياسي أفضى في النهاية إلى استعادة الأرض المصرية. وبذلك انتقلت نتائج القوة من ميدان القتال إلى ميدان السياسة، وتحول الإنجاز العسكري إلى ورقة تأثير في إدارة الصراع والتفاوض.

 

ومن هذه الزاوية، فإن التجربة المصرية في أكتوبر لا تقدم درسًا في فن الحرب فقط، وإنما تقدم نموذجًا متكاملا في بناء القوة وإدارتها. فقد حددت مصر هدفها، وأعادت بناء قدراتها، واستفادت من خبراتها السابقة، ودرست خصمها، وطورت أدواتها، وأدارت الخداع والتوقيت والمفاجأة، ونسقت بين أفرع قواتها المسلحة، واستثمرت البيئة العربية والدولية المحيطة بالمعركة، ثم نقلت نتائج الانتصار من الميدان إلى السياسة والدبلوماسية.

 

هذه هي العبقرية المصرية في أكتوبر: أن تتحول محدودية الموارد إلى دافع للابتكار، وأن يتحول تفوق الخصم النسبي إلى تحد يفرض التفكير المختلف، وأن يتحول التخطيط إلى قوة، والقوة إلى إنجاز، والإنجاز إلى تأثير سياسي.

 

ولهذا فإن أكتوبر يمثل مدرسة مصرية متكاملة في التخطيط الاستراتيجي، وصناعة القرار، وإدارة الأزمات، وبناء القوة الوطنية. فهو يثبت أن الدول لا تحتاج دائما إلى امتلاك أكبر قدر من الموارد حتى تحقق أهدافها، وإنما تحتاج إلى القدرة على إدارة مواردها بكفاءة، وبناء الإنسان القادر على استخدامها، وربط الإمكانات بالأهداف، وتحويل الرؤية إلى خطة، والخطة إلى فعل.

 

ويبقى الدرس الأعمق الذي تقدمه انتصارات أكتوبر للأجيال الجديدة أن بناء القوة يبدأ قبل المواجهة بسنوات؛ يبدأ بالعلم، وبناء الإنسان، وتراكم الخبرة، والاستعداد، والقدرة على التعلم من التجارب والتطوير المستمر، وحسن قراءة الخصوم، ثم امتلاك الإرادة السياسية والعسكرية لتحويل المعرفة إلى قرار، والقرار إلى إنجاز.

 

وهكذا تظل انتصارات أكتوبر شاهدًا حيًا على أن التاريخ لا تصنعه موازين القوة وحدها، وإنما تصنعه القدرة على فهم هذه الموازين وإعادة تشكيلها. لقد أثبتت مصر أن الإرادة حين تستند إلى العلم والتخطيط، وأن القوة حين تتحرك وفق رؤية واضحة، تستطيعان معا تحويل أصعب التحديات إلى فرص لصناعة التاريخ. ولذلك يبقى أكتوبر أكثر من ذكرى لانتصار عسكري؛ إنه درس مصري خالد في أن بناء القوة يبدأ ببناء الإنسان، وأن حماية الوطن تبدأ بامتلاك الرؤية والقدرة على تنفيذها، وتحديد الهدف وأن الجيوش العظيمة تحمي إرادتها ومكانتها وحقها في أن تصنع مستقبلها. وسيظل نصر أكتوبر، بما حمله من عبقرية التخطيط، وبسالة الجندي المصري، وتكامل الإرادة الوطنية والعربية، واحدًا من أبرز الدروس التاريخية على قدرة مصر على تحويل التحدي إلى إنجاز، والإمكان إلى قوة، والقوة إلى تأثير وواقع حقيقي.