
يتابع حزب الوعي باهتمام استعداد الحكومة للمؤتمر المزمع عقده خلال شهر أكتوبر، تنفيذًا لتوجيه السيد رئيس الجمهورية بإعداد تقرير كامل عن الإنجازات الفعلية في مختلف قطاعات عمل الدولة خلال السنوات الماضية، يتناول حجم الجهود المبذولة والأموال المنفقة والنتائج المحققة، ويُطرح للنقاش بمشاركة المفكرين والمتخصصين وأساتذة الجامعات.
ويأتي انعقاد المؤتمر في أكتوبر، شهر العبور والانتصار، حين استطاعت مصر أن تتجاوز ظروفًا بالغة الصعوبة، وأن تحقق ما بدا في وقت من الأوقات بعيد المنال. وبهذه الروح نريد أن ننظر إلى مؤتمر أكتوبر: لا أن يكون مجرد مراجعة لما مضى، وإنما بداية لعبور جديد؛ نعرف فيه أين نقف، وماذا نجحنا في تحقيقه، وأين أخفقنا، وما الذي يجب أن نغيره، حتى نعبر من واقع صعب إلى مستقبل أفضل يليق بمصر وبما تملكه من إمكانات.
ويرى الحزب في هذا التكليف فرصة مهمة لمراجعة تجربة السنوات الماضية؛ ليس فقط لعرض ما تم، وإنما لتقييم ما تحقق وما لم يتحقق وأسبابه، واستخلاص الدروس التي ينبغي أن توجه السياسات في المرحلة المقبلة.
يتابع حزب الوعي باهتمام استعداد الحكومة للمؤتمر المزمع عقده خلال شهر أكتوبر، تنفيذًا لتوجيه السيد رئيس الجمهورية بإعداد تقرير كامل عن الإنجازات الفعلية في مختلف قطاعات عمل الدولة خلال السنوات الماضية، يتناول حجم الجهود المبذولة والأموال المنفقة والنتائج المحققة، ويُطرح للنقاش بمشاركة المفكرين والمتخصصين وأساتذة الجامعات.
ويرى الحزب في هذا التكليف فرصة مهمة لمراجعة تجربة السنوات الماضية؛ ليس فقط لعرض ما تم، وإنما لتقييم ما تحقق وما لم يتحقق وأسبابه، واستخلاص الدروس التي ينبغي أن توجه السياسات في المرحلة المقبلة.
ما الجديد الذي نريده من مؤتمر أكتوبر؟
لا يأتي مؤتمر أكتوبر باعتباره أول مناسبة تعرض فيها الدولة حصاد عملها أو تناقش سياساتها وتحدياتها. فقد شهدت السنوات الماضية المؤتمر الاقتصادي ومؤتمر «حكاية وطن»، إلى جانب العديد من الفعاليات والعروض والمواد التوثيقية التي تناولت ما نفذته الدولة من مشروعات وبرامج ومبادرات.
ومن ثم، فإن إعادة عرض المشروعات القومية، أو أعداد الطرق والكباري والمنشآت، أو التشريعات والبرامج التي صدرت وأُطلقت، لن تمثل في ذاتها إضافة جديدة. فهذه مشروعات وأعمال نُفذت بالفعل، وعُرض جانب كبير منها مرارًا، ويعرفها المواطن ويرى الكثير منها على أرض الواقع.
ما نريده هذه المرة هو الانتقال من عرض ما تم إلى تقييم أثره على حياة المواطنين، ومن سرد الإنجازات إلى كشف حساب حقيقي للسياسات العامة.
الإنجاز يُقاس بالنتائج والأثر
إنشاء مدرسة أو جامعة أو مستشفى هو مُخرج، لكن ما ينبغي تقييمه هو ما أحدثه من تحسن في جودة التعليم، أو زيادة فرص التعلم، أو إتاحة الرعاية الصحية وتحسين مستواها.
وإنشاء طريق أو كوبري لا يُقيّم فقط بعدد الكيلومترات أو حجم الإنفاق، وإنما أيضًا بما حققه من خفض لزمن وتكلفة الانتقال، وتحسين الربط بين مناطق الإنتاج والأسواق، ودعم الاستثمار والإنتاجية والنشاط الاقتصادي.
وإنشاء مدينة جديدة لا يُقيّم بحجم ما أُقيم فيها من مبانٍ وطرق ومرافق، ولا بما تم بيعه من أراضٍ ووحدات، وإنما بما إذا كانت قد تحولت بالفعل إلى مدينة حية تحقق الغرض الذي أُنشئت من أجله: كم يسكنها ويعمل فيها بالفعل؟ وما حجم النشاط الاقتصادي والاستثمارات التي استقرت فيها؟ وما فرص العمل اللائقة التي خلقتها؟ وهل تُستخدم منشآتها ومرافقها وطاقاتها كما كان مستهدفًا؟ وهل تتناسب النتائج التي حققتها مع ما أُنفق عليها؟
وإصدار قانون لا يمثل في ذاته نهاية المطاف؛ فالمعيار هو مدى تحقيقه للهدف الذي صدر من أجله، سواء كان تيسير ممارسة الأعمال، أو زيادة الامتثال والحصيلة الضريبية، أو خفض الجريمة، أو حماية الحقوق، أو رفع كفاءة المؤسسات.
فالمشروع لا يصبح ناجحًا بمجرد افتتاحه، وإنما بقدر ما يحقق من الأهداف التي أُنشئ من أجلها.
ولذلك، نريد أن يجيب تقرير أكتوبر، لكل سياسة أو مشروع رئيسي، عن أسئلة واضحة: ماذا كان المستهدف؟ ولماذا اختير ضمن الأولويات؟ وكم كانت تكلفته المقدرة وكم بلغت تكلفته الفعلية؟ وماذا تحقق؟ ومن استفاد؟ وما الأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي تحقق مقابل الموارد التي أُنفقت؟
وإذا لم يتحقق العائد المستهدف بعد، فمن حق المواطن أن يعرف لماذا، ومتى يُتوقع أن يتحقق، وما الذي ينبغي عمله لتحقيقه.
فالموارد المتاحة محدودة، وجزء مهم مما أُنفق خلال السنوات الماضية تم تمويله بالاقتراض، مما أدى إلى زيادة في أعباء الدين وخدمته، وهي أعباء لا تنتهي بانتهاء المشروع أو افتتاحه، وإنما تتحملها الموازنة والمجتمع لسنوات تالية. ومن ثم، يصبح السؤال عن الأولويات والعائد أكثر إلحاحًا: هل وُجه الاقتراض إلى ما يحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا يبرر تكلفته؟ وهل كانت هناك استخدامات أخرى للموارد تحقق عائدًا أكبر أو أكثر إلحاحًا؟ وهل ما تحقق من كل مشروع يتناسب ليس فقط مع ما أُنفق عليه، وإنما أيضًا مع تكلفة تمويله؟
فحين تكون الموارد محدودة والديون مرتفعة، لا يكفي أن نسأل ماذا أنفقنا وماذا بنينا؛ بل يجب أن نسأل أيضًا: هل كان هذا هو الاستخدام الأفضل لما اقترضناه، وماذا ترك هذا الاختيار من عائد وأعباء للمستقبل؟
ماذا تعلمنا؟
كشف الحساب الجاد لا يقتصر على تسجيل النجاحات؛ بل يحدد أيضًا ما لم يحقق النتائج المستهدفة وأسباب ذلك. نريد أن نعرف: ما السياسات التي أثبتت نجاحها وينبغي تعزيزها؟ وما الذي يحتاج إلى تصحيح؟ وما الذي أثبتت التجربة ضرورة تغييره أو التوقف عنه؟
وفي هذا السياق، يؤكد الحزب أن الصدمات الخارجية، مهما بلغت حدتها، لا ينبغي أن تصبح تفسيرًا عامًا لكل ما لم يتحقق من مستهدفات. فلا شك أن مصر تعرضت، مثل غيرها، لصدمات دولية وإقليمية شديدة، من جائحة عالمية وحروب واضطرابات جيوسياسية، إلى تقلبات أسعار الغذاء والطاقة وأسعار الفائدة العالمية واضطراب التجارة وسلاسل الإمداد، وكان لهذه الصدمات أثر حقيقي لا يمكن تجاهله.
لكن الاعتراف بأثر الصدمات لا يغني عن تقييم السياسات التي اتُبعت في مواجهتها. إلى أي مدى كان الاقتصاد مستعدًا؟ وما الذي نجح في الحد من آثارها؟ وما مواطن الضعف التي كشفت عنها؟ وهل كانت هناك سياسات أو إجراءات كان يمكن أن تخفف من تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية؟
والأهم أن الصدمات الخارجية لن تتوقف، ولا ينبغي أن نبني سياساتنا على افتراض أنها استثناء لن يتكرر. فما يشهده العالم والمنطقة من تحولات يقول إن علينا أن نتوقع المزيد منها، وربما بصورة أكثر تواترًا وحدة.
ومن ثم، لا يكفي في كل مرة أن نفسر ما حدث بما جاء من الخارج. الأهم أن نسأل: ماذا تعلمنا؟ وهل غيرنا شيئًا في سياساتنا نتيجة لما تعلمناه؟ وهل أصبحنا اليوم أكثر استعدادًا للصدمة القادمة وأقدر على الحد من آثارها؟
حوار حقيقي.. لا مجرد عرض
التكليف الرئاسي لا يتحدث فقط عن عرض التقرير، وإنما يدعو إلى مشاركة المفكرين والمتخصصين وأساتذة الجامعات، وإلى مناقشة تتسم بالشفافية والمصداقية. وهنا يرى حزب الوعي أن نجاح مؤتمر أكتوبر سيتوقف بقدر كبير على الكيفية التي ستُترجم بها هذه الدعوة إلى حوار حقيقي.
ومن المهم، قبل انعقاد المؤتمر، أن يعرف الرأي العام من سيشارك في الحوار، وكيف سيتم اختيار المشاركين، وهل ستتسع دائرة المشاركة لخبرات ووجهات نظر مستقلة ومتنوعة، إلى جانب المسؤولين والخبراء المشاركين بالفعل في المجالس واللجان الحكومية.
فالغاية من الحوار ليست الاستماع إلى وجهة نظر واحدة بصيغ مختلفة، وإنما إتاحة المجال لمناقشة جادة للسياسات ونتائجها وبدائلها.
والحوار الجاد يحتاج إلى معرفة مسبقة، لا إلى ردود فعل آنية. فإذا كان المطلوب من المتخصصين تقييم تجربة تمتد لسنوات، فيجب إتاحة التقرير وبياناته لهم قبل المؤتمر بوقت كافٍ لدراسته وتقييمه. فالمشاركة الحقيقية ليست الاستماع إلى عرض ثم التعليق عليه، وإنما مناقشة ما يُعرض على أساس من المعلومات والتحليل، وطرح ما قد يكون هناك من رؤى وبدائل مختلفة.
ويرى الحزب كذلك أهمية إتاحة التقرير للرأي العام، بما يسمح للجامعات ومراكز البحوث والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والمتخصصين بدراسته والمساهمة في نقاش عام مستنير حوله.
وماذا يقول المواطن؟
إذا كان مؤتمر أكتوبر موجهًا إلى المواطنين، فمن المهم أن يبدأ بمعرفة ما الذي يشغلهم هم، لا فقط بما ترى الحكومة أنه تحقق لهم.
ويقترح حزب الوعي إجراء استطلاع رأي قبل المؤتمر على عينة ممثلة من المواطنين، يقيس تقييمهم لأوضاعهم المعيشية، وما يثقل حياتهم اليومية، وأولوياتهم في المرحلة المقبلة، وكيف ينظرون إلى المشروعات والإنجازات التي تعتبرها الحكومة من أبرز ما تحقق خلال السنوات الماضية، وما الذي يرون أنه انعكس منها بالفعل على حياتهم.
ثم يُعاد الاستطلاع بعد المؤتمر، لنعرف ما إذا كان ما عُرض من معلومات ونتائج، وما قُدم من تفسيرات وإجابات، قد أحدث تغييرًا في فهم المواطنين وتقييمهم لما تحقق.
فقد تقول المؤشرات إن بعض الأوضاع تحسنت، وقد ترى الحكومة في الأرقام ما يدعو إلى الاطمئنان، بينما لا ينعكس ذلك بالضرورة في شعور المواطن بأوضاعه المعيشية. وإذا كانت هناك فجوة بين ما تقوله المؤشرات وما يعيشه المواطن، فالمطلوب ليس تجاهلها أو الرد عليها بمزيد من الأرقام، وإنما فهمها وتفسير أسبابها.
فالأرقام ضرورية للتقييم وصنع السياسات، لكنها ليست بديلًا عن معرفة أثر هذه السياسات كما يعيشه الناس. ومؤتمر يخاطب المواطنين لا ينبغي أن تكون مهمته إقناعهم بأن حياتهم قد تحسنت، وإنما أن يجيب عن الأسئلة التي تشغلهم، وأن يفسر لهم ما تحقق وما لم يتحقق، وأن يستمع إلى ما تقوله تجربتهم اليومية عن نتائج السياسات.
ما نريده من مؤتمر أكتوبر
لا يريد حزب الوعي من مؤتمر أكتوبر أن يكون مناسبة للبحث عن الأخطاء، كما لا يريده مناسبة لإعادة عرض ما نعرف بالفعل أنه تم إنجازه.
نريده كشف حساب للسياسات، لا كشفًا بالمشروعات.
كشف حساب يقول للمواطن بوضوح: ماذا استهدفنا؟ ولماذا اخترنا هذه الأولويات؟ وماذا أنفقنا؟ وماذا حققنا؟ ومن استفاد؟ وما الذي لم يتحقق ولماذا؟ وماذا تعلمنا؟ وما الذي سنغيره نتيجة لما تعلمناه؟
فالشفافية لا تعني فقط إتاحة أرقام أكثر، والمساءلة لا تعني البحث عمن نلومه. وإنما تعني أن نعرف ما الذي نجح فنبني عليه، وما الذي لم ينجح فنصححه، وأن يكون تقييم السياسات قائمًا على النتائج والأثر، لا على حجم الإنفاق أو عدد المشروعات وحدهما.
قوة الدولة لا تظهر فقط فيما تستطيع أن تنجزه، وإنما أيضًا في قدرتها على أن تراجع ما أنجزته، وتقيس نتائجه بموضوعية، وتستمع إلى الآراء المختلفة، وتصحح المسار حين تقول النتائج إن التصحيح مطلوب.
ومؤتمر أكتوبر فرصة لأن نعبر من سرد ما أُنجز إلى تقييم أثره، ومن الحديث إلى المواطن إلى الاستماع إليه، ومن تفسير ما مضى إلى التعلم منه، ومن كشف حساب عن الماضي إلى أساس أفضل لصناعة سياسات المستقبل.





