السبت، 22 أغسطس 20264:44 مساءً
آراء حرة

اللواء د. رضا فرحات يكتب.. جوليوس نيريري.. قصة نجاح على ضفاف أفريقيا

السبت، 22 أغسطس 2026 01:50 مساءً
اللواء د. رضا فرحات يكتب.. جوليوس نيريري.. قصة نجاح على ضفاف أفريقيا
اللواء د. رضا فرحات
15

في لحظة تتجاوز حدود افتتاح مشروع هندسي إلى دلالات أوسع تتصل بمستقبل العلاقات الأفريقية، جاء افتتاح مشروع سد ومحطة «جوليوس نيريري» في تنزانيا ليقدم صورة عملية لنمط مختلف من التعاون بين دول القارة، حيث تتحول الخبرة إلى شراكة، والمشروع التنموي إلى مساحة لبناء الثقة، والقدرة على تنفيذ المشروعات الكبرى إلى أحد أدوات الحضور المصري في أفريقيا، وقد اكتسب افتتاح المشروع أهمية خاصة مع مشاركة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، ممثلًا عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، في هذه المناسبة، بما يعكس ما يحظى به التعاون المصري التنزاني من اهتمام على مستوى القيادة السياسية، ويؤكد أن العلاقات بين البلدين لا تتحرك فقط في إطار الدبلوماسية التقليدية، وإنما تمتد إلى مشروعات ملموسة يمكن أن تترك أثرا مباشرا في حياة الشعوب وقدرتها على تحقيق أهدافها التنموية.

 

 

إن أهمية مشروع “جوليوس نيريري” تكمن في أنه يقدم نموذجا لما يمكن أن تكون عليه العلاقات المصرية الأفريقية عندما تنتقل من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى العمل المشترك فتنزانيا تنظر إلى المشروع باعتباره جزءا من رؤيتها لتوسيع قدراتها في مجال الطاقة ودعم مسار التنمية، بينما تمثل المشاركة المصرية فيه امتدادا لتراكم طويل من الخبرات الفنية والهندسية المصرية التي أصبحت جزءًا من أدوات التعاون مع دول القارة لذلك فإن قيمة المشروع لا تقاس فقط بحجم الطاقة التي ينتجها أو بطول فترة تنفيذه، وإنما بما يفتحه من مساحة للتعاون ونقل المعرفة وتبادل الخبرات، وهي عناصر أكثر استدامة من العلاقات التي تقوم على المواقف السياسية العابرة أو المصالح الآنية.

 

مشروع سد ” جوليرس نيريري ” حظي بمتابعة مستمرة من القيادة السياسية المصرية منذ مراحل التنفيذ، وهو ما يعكس إدراكا لأهمية المشروعات الكبرى في بناء صورة مصر كشريك قادر على الالتزام بتعهداته والمشاركة في تنفيذ مشروعات ذات طبيعة استراتيجية، المشروعات العملاقة لا تختبر الإمكانات الفنية وحدها، وإنما تختبر كذلك قدرة المؤسسات على إدارة التفاصيل، والتعامل مع التحديات، والحفاظ على معدلات الإنجاز، والتنسيق بين أطراف متعددة تعمل في بيئة مختلفة من حيث الجغرافيا والظروف التشغيلية و مشاركة نحو 1700 مهندس وفني مصري ضمن فريق عمل كبير ضم آلاف العاملين، وما ارتبط بذلك من خبرات تراكمت خلال سنوات التنفيذ، تمثل جانبا مهما من القيمة غير المباشرة للمشروع، لأنها تؤكد أن تصدير الخبرة المصرية يمكن أن يكون أحد مكونات التعاون الاقتصادي مع أفريقيا.

 

اللافت في التجربة التنزانية أنها تفتح الباب أمام قراءة أوسع لمفهوم القوة الناعمة المصرية، القوة الناعمة لا تتشكل فقط من الثقافة والفن والتعليم والعلاقات التاريخية، وإنما يمكن أن تتجسد أيضا في قدرة الدولة على تقديم خبراتها ومؤسساتها وشركاتها للمساهمة في مشروعات تنموية خارج حدودها، وحين تنجح الخبرة المصرية في تنفيذ مشروع بهذا الحجم، فإنها لا تضيف إلى رصيد الشركات المنفذة فحسب، وإنما تخلق معرفة جديدة لدى الطرف الآخر بإمكانات الشريك المصري، وتبني علاقات مهنية بين المهندسين والخبراء والمؤسسات، وهي علاقات قد تستمر لسنوات بعد انتهاء المشروع نفسه وفي أفريقيا تحديدا، حيث تتنافس الدول على بناء شراكات طويلة المدى، يصبح هذا النوع من الحضور أكثر أهمية لأنه يقوم على المصالح المتبادلة وليس على التأثير السياسي وحده.

 

ومن هنا أيضا يمكن فهم مشروع “جوليوس نيريري” في سياق أوسع يتعلق بالعلاقة المصرية بدول حوض النيل، مصر تنظر إلى نهر النيل باعتباره قضية ذات أهمية استراتيجية ووجودية، وفي الوقت نفسه تدرك أن دول الحوض لديها احتياجات تنموية متزايدة، وأن تحقيق التنمية في القارة لا ينبغي أن يكون محل خلاف في ذاته، التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إدارة هذه المصالح بحيث لا تتحول التنمية في دولة إلى مصدر قلق لدولة أخرى، وإنما تصبح فرصة للتعاون والتنسيق وتبادل المنافع وهذه الرؤية تجعل دعم مصر لمشروع تنموي في تنزانيا منسجما مع تمسكها بمصالحها المائية، لأن المسألة في جوهرها ليست رفضا للتنمية، وإنما تأكيدا على أهمية أن تتم المشروعات المرتبطة بالموارد المائية في إطار من التفاهم والتنسيق الذي يراعي مصالح جميع الأطراف.

 

ولعل هذه النقطة تحديدا هي الأهم في قراءة الدلالة السياسية للمشروع، إذ إن نجاح التعاون المصري التنزاني يبرهن على أن العلاقات الأفريقية يمكن أن تنتقل من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة بناء المصالح المشتركة فكلما زادت المشروعات التي تجمع دول القارة، وتوسعت دوائر التعاون في الطاقة والبنية الأساسية والنقل والزراعة والاستثمار، أصبح من الممكن بناء شبكة من المصالح المتبادلة التي تمنح العلاقات السياسية أساسًا أكثر صلابة و التعاون بين مصر وتنزانيا لا ينبغي النظر إليه باعتباره تجربة منفصلة، وإنما باعتباره جزءا من مسار مصري يستهدف استعادة العمق الأفريقي عبر أدوات عملية تجمع بين الدبلوماسية والتنمية والخبرة الاقتصادية والفنية.

 

الإشادة بالدور التنزاني، وعلى رأسه جهود الرئيسة سامية صلوحو حسن في دعم العلاقات بين البلدين، أهمية خاصة في هذا الإطار؛ فنجاح أي شراكة لا يمكن أن يتحقق بإرادة طرف واحد، وإنما يحتاج إلى بيئة سياسية تسمح بالتعاون، وإلى ثقة متبادلة، وإلى مؤسسات قادرة على تحويل التفاهمات إلى مشروعات وقد أظهرت العلاقات المصرية التنزانية خلال السنوات الأخيرة أن التعاون الأفريقي ـ الأفريقي يمكن أن يكون نموذجا أكثر واقعية واستدامة عندما يقوم على احترام الأولويات الوطنية لكل دولة، مع البحث في الوقت نفسه عن نقاط الالتقاء والمصلحة المشتركة.

 

وفي النهاية، فإن قيمة جوليوس نيريري لا تختزل في السد أو محطة الكهرباء أو الأرقام المرتبطة بحجم المشروع، وإنما في الفكرة التي يمثلها: أن أفريقيا تستطيع أن تبني جزءا من مستقبلها من خلال قدراتها الذاتية وشراكاتها الداخلية، وأن مصر تستطيع أن تكون شريكا في هذا المسار بما تمتلكه من خبرات بشرية وفنية وعلاقات تاريخية ممتدة بالقارة وبين حق مصر في حماية مصالحها المائية وحق دول الحوض في تحقيق التنمية، تظل المساحة الأوسع هي مساحة التعاون والحوار وبناء المصالح المشتركة وربما يكون هذا هو الدرس الأهم من تجربة جوليوس نيريري: أن أفضل طريق لإدارة الملفات المعقدة في أفريقيا ليس إقامة الجدران بين الدول، وإنما توسيع جسور التعاون بينها، بحيث تصبح التنمية نفسها أداة لبناء الثقة، وتصبح الشراكة وسيلة لحماية المصالح، ويصبح المستقبل الأفريقي مشروعا تتقاطع فيه مصالح الجميع بدلا من أن تتصادم.