
كل حادث حريق أو انفجار يفتح بابًا للأسئلة، لكن السؤال الأهم ليس فقط: من المسؤول بعد وقوع الحادث؟ وإنما: هل كان يمكن اكتشاف الخطر ومنعه قبل أن يتحول إلى مأساة؟
الحوادث الأخيرة، ومن بينها حادث أرابيلا بالتجمع الخامس، تفرض علينا النظر إلى الأمن الصناعي من منظور حقوق الإنسان. ولا يعني ذلك استباق نتائج التحقيقات أو تحديد أسباب الحوادث ومسؤولياتها، وإنما التوقف أمام مسؤولية أوسع تتعلق بحماية حياة المواطنين وسلامتهم، خاصة عندما توجد منشآت تجارية تستخدم الغاز أو مصادر الحرارة أسفل عقارات يسكنها عدد كبير من الأسر.
المواطن الذي يعيش في عقار سكني لم يختر أن يتعرض للخطر الناتج عن نشاط تجاري في الطابق الأرضي. ومن ثم فإن حقه في الحياة الآمنة لا يتوقف عند باب شقته، وإنما يمتد إلى البيئة المحيطة به، وإلى مدى قدرة الجهات المعنية على اكتشاف المخاطر والتعامل معها قبل وقوع الضرر.
ومن هنا، فإن الأمن الصناعي يجب ألا يُفهم باعتباره مجموعة من الأوراق أو الاشتراطات التي تُستوفى للحصول على ترخيص، ثم ينتهي معها دور الرقابة. الترخيص بداية للمسؤولية وليس نهايتها. فالمنشأة تتغير، وطبيعة التشغيل تتغير، ومصادر الخطر قد تتغير، ولذلك فإن السلامة تحتاج إلى متابعة مستمرة.
وقبل وقوع كارثة جديدة، يجب وضع المنشآت الموجودة أسفل العقارات السكنية ضمن دائرة مراجعة دورية، خاصة المنشآت التي تستخدم الغاز أو مصادر الطاقة والحرارة. وينبغي أن تقوم هذه المراجعة على تقييم حقيقي لمستوى الخطر وتأثيره المحتمل على السكان، وليس على مجرد التأكد من وجود الترخيص.
كما يجب تفعيل التفتيش الوقائي بصورة منتظمة، والتأكد من صلاحية وسائل الإطفاء والإنذار ومخارج الطوارئ، وسلامة مصادر الطاقة، وقدرة العاملين على التعامل مع حالات الطوارئ. والأهم أن تكون هناك استجابة سريعة وحاسمة عند اكتشاف أي خطر حقيقي؛ لأن تأجيل معالجة المخالفة قد يعني تأجيل الكارثة.
ومن الضروري كذلك أن يكون للمواطن دور في منظومة الوقاية. فالإبلاغ عن رائحة غاز أو مصدر خطر أو مخالفة واضحة يجب ألا يتحول إلى رحلة طويلة بين الجهات، وإنما إلى بلاغ يتم التعامل معه بسرعة ومسؤولية. المواطن ليس متلقيًا للحماية فقط، بل يمكن أن يكون شريكًا في اكتشاف الخطر.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو أن تشمل خطط الطوارئ السكان أنفسهم، لا العاملين داخل المنشأة فقط، خصوصًا في العقارات التي تضم أطفالًا وكبار سن وأشخاصًا ذوي إعاقة. فالإخلاء الآمن حق، والتوعية بكيفية التصرف عند الطوارئ جزء من الحماية الواجبة.
وفي النهاية، فإن القضية ليست في عدد القوانين والاشتراطات الموجودة، وإنما في قدرتنا على تحويلها إلى حماية فعلية للإنسان.
حقوق الإنسان تبدأ من الحق في الحياة، وحماية هذا الحق تفرض التحرك قبل وقوع الضرر، لا الاكتفاء بمحاسبة المسؤولين بعد وقوعه.
لذلك، فإن الرسالة التي يجب أن تسبق أي حادث جديد هي: راجعوا مواطن الخطر الآن، قبل أن تتحول المخالفة إلى كارثة، وقبل أن تصبح الأرواح هي ثمن التأخر في الوقاية.
فالأمن الصناعي ليس ملفًا فنيًا منفصلًا عن حقوق الإنسان؛ إنه في جوهره واجب لحماية الإنسان وحقه في أن يعيش ويعمل ويسكن في بيئة آمنة.





