
أكد الدكتور حسن هجرس، مساعد رئيس حزب الجيل الديمقراطي، أن تجربة جماعة الإخوان الارهابية كشفت أن مشروعها لم يكن قائما على الوصول إلى السلطة فقط، وإنما على بناء شبكة واسعة من النفوذ داخل المجتمع، من خلال استغلال الاحتياجات الاجتماعية والخطاب الديني والعمل الخيري والإعلام والشائعات، بما يخدم أهدافها التنظيمية والسياسية.
وأوضح هجرس في تصريحات صحفية له اليوم، أن الجماعة المحظورة أدركت مبكرا أن السيطرة على وعي المجتمع لا تقل أهمية عن السيطرة على مؤسسات الدولة، ولذلك حاولت استغلال الفئات الأكثر احتياجا من خلال تقديم مساعدات مالية وعينية وخدمات اجتماعية، وتحويل بعض صور التكافل إلى وسيلة لبناء الولاء والحشد وقت الحاجة، وهو ما يفرغ العمل الخيري من مضمونه الإنساني ويضعه في خدمة أهداف سياسية.
وأشار إلى أن المواطن البسيط كان في كثير من الأحيان هو الخاسر الأكبر من هذا الأسلوب، لأنه يتم وضعه في مواجهة الدولة أو الزج به في صراعات سياسية وتنظيمية لا تتعلق بمصالحه الحقيقية، بينما تبقى القيادات والتنظيمات بعيدة عن دائرة الخطر، مؤكدا أن استخدام المواطنين كواجهة للصدام أو كوسيلة للضغط على مؤسسات الدولة يمثل صورة من صور المتاجرة بالإنسان.
ولفت هجرس إلى أن استغلال بعض المساحات الدينية كان من أخطر الأدوات التي حاولت الجماعة من خلالها التأثير في المجتمع، فدور العبادة مكانها الطبيعي هو العبادة ونشر القيم والأخلاق، وليس ممارسة العمل التنظيمي أو السياسي، وأي محاولة لاستخدامها في تخزين أسلحة أو إخفاء أدوات للعنف، متى ثبتت بالأدلة والتحقيقات، تمثل اعتداء على حرمة دور العبادة قبل أن تكون جريمة تستوجب المساءلة.
وشدد على أن مواجهة هذه الظاهرة لا تعني المساس بالدور الوطني للدين أو المؤسسات الدينية، وإنما تعني حماية الدين نفسه من التوظيف السياسي، وحماية دور العبادة من أن تتحول إلى أدوات في يد أي تنظيم، مؤكدا أن الدولة المصرية لديها مؤسسات دينية وطنية قادرة على مواجهة الفكر المتطرف وترسيخ الخطاب المعتدل.
وأضاف أن المعركة الأخطر كانت معركة الوعي، حيث حاولت الجماعة الارهابية الوصول إلى الأطفال والنشء عبر بعض الأنشطة الدينية والاجتماعية، وتمرير أفكار سياسية بصورة غير مباشرة، بما يؤدي إلى تشكيل وعي مبكر قائم على الشك في الدولة ومؤسساتها، وهو أمر يجب مواجهته بالوعي والتعليم والخطاب الديني الرشيد، وليس بالمنع وحده.
وأكد هجرس أن تعليم القرآن وتحفيظه رسالة عظيمة يجب الحفاظ عليها، لكن لا يجوز السماح بتحويلها إلى مدخل لغرس الانتماءات الحزبية أو التنظيمية في عقول الأطفال، لأن الطفل يجب أن يتعلم أن الدين أخلاق ورحمة، وأن الوطن مساحة مشتركة لكل أبنائه، وأن الاختلاف السياسي لا يعني العداء للدولة.
وأشار إلى أن الجماعة حاولت كذلك استغلال وجود بعض العناصر ذات الولاءات التنظيمية داخل الجهاز الاداري للدولة خلال فترة توليها الحكم، بما أدى في بعض الحالات إلى تعطيل مصالح المواطنين أو إضعاف الأداء الاداري، وهي ممارسة خطيرة لأنها تجعل المواطن يدفع ثمن الصراع السياسي من خلال الخدمات التي يحصل عليها يوميا.
وأوضح أن ضرب كفاءة مؤسسات الدولة لا يحتاج دائما إلى هدمها بصورة مباشرة، فقد يكفي تعطيل مصالح المواطنين أو خلق حالة مستمرة من البيروقراطية والإحباط حتى تتكون صورة سلبية عن الدولة، ثم تستخدم الجماعة هذه الصورة في خطابها السياسي والإعلامي باعتبارها دليلا على فشل مؤسسات الدولة.
وأكد أن حرب الشائعات كانت جزءا مكملا لهذه المنظومة، حيث يتم نشر أخبار غير دقيقة أو اجتزاء تصريحات أو تضخيم مشكلات حقيقية وتقديمها خارج سياقها، بالتوازي مع حملات إلكترونية منظمة تستهدف إثارة الغضب وزيادة حالة الاستقطاب، مشيرا إلى أن بعض هذه الحملات ارتبط بمنصات وحسابات تعمل من خارج البلاد أو تعتمد على تمويلات خارجية، وهو ما يجب مواجهته بالأدلة والإجراءات القانونية.
وشدد هجرس على أن علاج هذه الظاهرة لا يكون بإغلاق المجال العام أمام النقد، وإنما بزيادة قدرة الدولة على التواصل مع المواطنين، وسرعة تقديم المعلومات، ورفع كفاءة الخدمات، ومحاسبة أي موظف يثبت تعمده تعطيل مصالح المواطنين، لأن أفضل رد على الشائعات هو الواقع الذي يلمسه المواطن بنفسه.
ولفت إلى أن المجتمع المصري أصبح أكثر وعيا بخطورة هذه الممارسات، وأن المواطن بات يفرق بين النقد الذي يهدف إلى تحسين أداء الدولة، وبين خطاب يقوم على التحريض ونشر الكراهية وهدم الثقة في مؤسسات الوطن، مؤكدا أن المعارضة الوطنية حق أصيل، لكن تحويل الخلاف السياسي إلى وسيلة لهدم الدولة أمر مختلف تماما.
وقال هجرس إن الدرس الذي يجب أن يبقى حاضرا هو أن بناء الدولة لا يتم فقط من خلال المشروعات والمؤسسات، وإنما أيضا من خلال حماية وعي المواطن من الاستغلال، وضمان أن يكون العمل الخيري خالصا لخدمة المحتاجين، وأن تكون دور العبادة بعيدة عن الصراع السياسي، وأن يحصل الطفل على تربية دينية ووطنية تحصنه ضد التطرف والاستقطاب.
وأكد أن قوة الدولة المصرية خلال المرحلة الحالية تعتمد على وعي شعبها وتماسك مؤسساتها وقدرتها على الاستجابة لمشكلات المواطنين، وأن أفضل وسيلة لإفشال أي مشروع يستهدف ضرب العلاقة بين المواطن ووطنه هي تحقيق العدالة، وتحسين الخدمات، وترسيخ سيادة القانون، وإتاحة المشاركة السياسية أمام المواطنين من خلال الأطر الوطنية والقانونية.
فالمصري الذي يحصل على حقه، ويجد مؤسسات دولته إلى جواره، ويثق في عدالة القانون، يصعب أن يكون فريسة للشائعة أو الاستقطاب أو المتاجرة باحتياجاته، وهذه هي المعادلة التي يجب أن تقوم عليها مواجهة أي محاولة جديدة لإعادة إنتاج خطاب الجماعة الارهابية داخل المجتمع.





