
لا تمثل وثيقة سياسة ملكية الدولة (2026-2030) مجرد تحديث لسياسة اقتصادية، وإنما تعكس تحولا مهما في فلسفة إدارة الاقتصاد المصري، يقوم على إعادة تعريف دور الدولة بما يتوافق مع المتغيرات الاقتصادية العالمية ومتطلبات التنمية الوطنية، ولم يعد الهدف أن تكون الدولة لاعبا في كل الأنشطة الاقتصادية، وإنما أن تمارس دورها الطبيعي كمنظم للسوق، ومخطط للتنمية، وضامن للتوازن بين اعتبارات النمو والعدالة الاجتماعية، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص للقيام بدور أكبر في قيادة النشاط الاقتصادي.
وتأتي الوثيقة في توقيت بالغ الأهمية، إذ يشهد الاقتصاد العالمي تغيرات متسارعة فرضت على العديد من الدول إعادة تقييم أدوارها الاقتصادية، والبحث عن نماذج أكثر كفاءة في إدارة الموارد وتعظيم الاستفادة من القدرات الإنتاجية ومن هذا المنطلق، تقدم الدولة المصرية رؤية واضحة تحدد فيها المجالات التي ستظل تحتفظ فيها بدور رئيسي باعتبارها قطاعات استراتيجية تمس الأمن القومي والأمن الاقتصادي، وفي الوقت نفسه تحدد القطاعات التي يمكن أن يقودها القطاع الخاص بما يمتلكه من مرونة وقدرة على الابتكار وجذب الاستثمارات.
ولعل أبرز ما يميز الوثيقة أنها تنقل النقاش من فكرة “ملكية الدولة” إلى مفهوم أكثر عمقا يتمثل في “إدارة الدولة”، ونجاح الاقتصادات الحديثة لم يعد يقاس بحجم ما تمتلكه الحكومات من شركات، وإنما بقدرتها على بناء بيئة أعمال مستقرة، وإرساء قواعد المنافسة العادلة، وتوفير بنية تشريعية ومؤسسية جاذبة للاستثمار، الدولة القوية ليست تلك التي تنافس المستثمرين في كل مجال، وإنما التي تضع السياسات، وتحمي الأسواق، وتطور البنية الأساسية، وتضمن استدامة النمو.
الوثيقة تمنح المستثمرين قدرا كبيرا من الوضوح واليقين بشأن توجهات الدولة خلال السنوات المقبلة، وهو عنصر بالغ الأهمية في اتخاذ القرارات الاستثمارية ووضوح السياسات واستقرارها يمثلان أحد أهم مقومات تحسين مناخ الاستثمار، ويبعثان برسالة طمأنة إلى المستثمر المحلي والأجنبي بأن الدولة تمتلك رؤية محددة وأولويات معلنة وليست رهينة لقرارات متغيرة أو استجابات مؤقتة للأزمات.
ومن الخطأ اختزال الوثيقة في مفهوم التخارج من بعض الأنشطة الاقتصادية، لأن جوهرها الحقيقي يقوم على إعادة توزيع الأدوار داخل الاقتصاد الوطني، بما يحقق التكامل بين الدولة والقطاع الخاص، وليس الإحلال أو المنافسة بينهما، ولكل طرف دوره الذي يضيف قيمة للاقتصاد، والدولة لا تنسحب من مسؤولياتها، وإنما تعيد توجيه مواردها نحو القطاعات الأكثر ارتباطا بالأمن القومي والخدمات الأساسية، مع تشجيع القطاع الخاص على التوسع في الأنشطة الإنتاجية والاستثمارية.
ولا يمكن قراءة هذه الوثيقة بمعزل عن حجم الإنجازات التي حققتها الدولة خلال السنوات الماضية في مجالات البنية التحتية والطاقة والطرق والموانئ والمدن الجديدة، وقد أسهمت هذه الاستثمارات في تهيئة بيئة أكثر قدرة على جذب الاستثمارات، وهو ما يجعل المرحلة الحالية مناسبة للانتقال من الاستثمار الحكومي الكثيف في البنية الأساسية إلى مرحلة يقود فيها القطاع الخاص النمو الاقتصادي، مستفيدا من قاعدة متطورة من المرافق والخدمات.
ومع ذلك، فإن نجاح الوثيقة لن يقاس بما ورد فيها من أهداف، وإنما بقدرتها على التحول إلى واقع عملي وهو ما يتطلب آليات تنفيذ واضحة، وجداول زمنية محددة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، مع مراجعة دورية لما تحقق على أرض الواقع كما يتطلب استمرار الإصلاحات التشريعية والمؤسسية، وتبسيط الإجراءات، وتطوير المنظومة الضريبية والجمركية، والتوسع في التحول الرقمي، باعتبارها جميعًا عناصر مكملة لأي سياسة تستهدف تحسين بيئة الاستثمار.
وفي الوقت ذاته، ينبغي التأكيد على أن الوثيقة تعبر عن رؤية وطنية خالصة تنطلق من احتياجات الاقتصاد المصري وأولوياته التنموية، مع الاستفادة من أفضل الممارسات الدولية دون نقلها بصورة جامدة أو الخضوع لأي إملاءات خارجية فلكل دولة خصوصيتها الاقتصادية، وما يصلح لتجربة قد لا يكون مناسبا لأخرى، ومن ثم فإن نجاح السياسة الاقتصادية يظل مرهونا بمدى توافقها مع الواقع الوطني وقدرتها على تحقيق مصالح المجتمع.
وفي ظل ما يشهده العالم من تحولات اقتصادية وجيوسياسية متلاحقة، يصبح بناء اقتصاد أكثر مرونة وتنافسية ضرورة لا خيارا ومن هنا تكتسب وثيقة سياسة ملكية الدولة أهميتها باعتبارها إطارا استراتيجيا لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص على أسس الشراكة والكفاءة وتعظيم العائد الاقتصادي.
وفي النهاية، تمثل وثيقة سياسة ملكية الدولة (2026-2030) خطوة متقدمة في مسيرة الإصلاح الاقتصادي المصري، ليس لأنها تعيد رسم حدود الملكية فقط، بل لأنها تعيد تعريف دور الدولة ذاته وإذا اقترنت هذه الرؤية بحسن التنفيذ، والمتابعة المستمرة، والإرادة الإصلاحية، فإنها ستسهم في بناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة، وأكثر جذبا للاستثمارات، وأكثر استجابة لمتطلبات التنمية المستدامة، بما ينعكس إيجابا على فرص العمل ومستويات الدخل وجودة الحياة، ويعزز مكانة مصر الاقتصادية إقليميا ودوليا.




