
بينما دخل العالم عصر الذكاء الاصطناعي، ما زال بعض السياسيين أسرى ذكاء سياسي تناظري، وما زالت بعض النخب حبيسة معارك لم يعد المجتمع منشغلًا بها أصلًا.
العالم تغير. الاقتصاد تغير. أدوات التواصل تغيرت. طرق التأثير في الرأي العام تغيرت. وحتى المواطن نفسه تغيرت أولوياته وتوقعاته من السياسة. لكن جزءًا من المشهد السياسي ما زال يدور في الحلقة نفسها، يكرر الخطابات ذاتها، ويعيد إنتاج الأفكار نفسها، وكأن الزمن توقف عند لحظة بعينها.
ومن هنا تنشأ مفارقة السياسة المصرية اليوم؛ فبينما أنتج العصر ما يمكن تسميتهم بـ”ساسة الذكاء الاصطناعي” الذين يمتلكون إجابة جاهزة لكل شيء، ما زالت بعض القوى السياسية أسيرة حالة من الجمود الفكري تجعلها عاجزة عن إنتاج أسئلة جديدة من الأساس.
فساسة الذكاء الاصطناعي يتحدثون بطلاقة، ويملكون موقفًا جاهزًا من كل قضية، لكنهم غالبًا ما يعيدون تدوير الأفكار نفسها في قوالب جديدة ولديهم قوالب الإشادة والرفض ويبدون قادرين على الإجابة عن كل شيء، ويتواجدون بكثافة علي منصات التواصل بتصميمات وتصريحات مصطنعة ،لكنهم نادرًا ما يطرحون فكرة مختلفة أو رؤية غير مسبوقة.
وعلى الجانب الآخر، تبدو الحركة المدنية ــ أو على الأقل قطاع معتبر من نخبها ــ نموذجًا لحالة مختلفة من الأزمة. فبينما تتغير التحالفات والخلافات الداخلية، تبقى الأفكار والخطابات والأدوات كما هي. وكأن المشكلة دائمًا في الشكل لا في الفكر.
وهنا تكمن المفارقة.
ساسة الذكاء الاصطناعي يعانون من فائض الكلام ونقص الأفكار.
وجمود الحركة المدنية يعاني من فائض الشعارات ونقص المراجعة.
الأول يستهلك السياسة في الاستعراض، والثاني يستهلكها في التكرار.
وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: عجز عن إنتاج بدائل حقيقية أو اجتذاب أجيال جديدة أو تقديم رؤى تتناسب مع مجتمع تغيرت أولوياته وتحدياته بصورة جذرية خلال السنوات الأخيرة.
ولعل ما نشهده من أحاديث متكررة حول إعادة تشكيل التحالفات أو إنشاء كيانات جديدة يطرح سؤالًا أكثر أهمية من سؤال “من يتحالف مع من؟” وهو: ما الجديد الذي سيقدمه هؤلاء للمجتمع؟
لقد أثبتت التجارب أن تغيير الأسماء أسهل كثيرًا من تغيير الأفكار، وأن إعادة ترتيب المشهد لا تعني بالضرورة تطويره.
فالسياسة لا تموت عندما تختلف الأحزاب أو تتنافس التيارات، وإنما تموت عندما تتوقف الأفكار عن التطور، وعندما تتحول النخب إلى دوائر مغلقة تسمع أصواتها أكثر مما تسمع أصوات المجتمع.
ومن هنا أقول أن التحدي الحقيقي أمام أي تيار سياسي ليس تأسيس كيان جديد أو إصدار بيان، بل امتلاك الشجاعة الكافية لمراجعة أفكاره وأدواته ومواقفه في ضوء واقع يتغير كل يوم.
فأخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية حين يتحول بعض السياسيين إلى نسخ بشرية من الخوارزميات، وتتحول بعض النخب إلى حراس للماضي في عالم يتحرك بسرعة نحو المستقبل.





