
أكد المهندس سامح بسيوني، رئيس الهيئة العليا لحزب النور، أن بعض الأحداث لا تكشف فقط عن موازين القوى، وإنما تكشف عن حقيقة المشاريع، وتسقط كثيرًا من الشعارات، وتضع الجميع أمام أسئلة لا يمكن تأجيلها، مشيرًا إلى أن ما حدث مؤخرًا من اعتراض الدفاعات السعودية مسيّرة حوثية جنوب مكة، قبل دخولها الأجواء المحظورة فوق مكة المقدسة، ليس مجرد حادث عسكري عابر؛ فمكة ليست مجرد مدينة، فأمنها يتصل بأمن المسلمين من شتى بقاع الأرض، ويرتبط بمقدسات أمة بأكملها.
وأضاف “بسيوني” أن السعودية أعلنت أن المسيّرة كانت متجهة نحو مكة، قائلًا: وسواء حاول الحوثيون تخفيف الأمر بنفي استهداف مكة ذاتها أم لا؛ فإن اقتراب العمليات العسكرية من الأجواء المحظورة حول مكة، بالتزامن مع اتساعا نطاق الهجمات، يفرض قراءة تتجاوز الشعارات إلى طبيعة المشاريع التي تقف خلف هذه الأذرع، وأهدافها، والثمن الذي تدفعه شعوب المنطقة.
وأشار إلى أن البعض اعتاد أن ينظر إلى المشروع الإيراني وأذرعه المسلحة من زاوية واحدة: مواجهة أمريكا وإسرائيل ورفع شعار المقاومة، ثم يبني على ذلك أن كل ما يصدر عن هذا المحور محسوب تلقائيًا لمصلحة الأمة، مشددًا على أن هذه قراءة لا تستقيم مع تعقيدات الواقع وحقائق الأمور؛ فليس كل من واجه عدوًا للأمة يصبح بالضرورة مشروعًا للأمة، وليس كل من رفع شعار القدس والمقاومة يمثل تلقائيًا مصالح المسلمين جميعًا.
وتابع “بسيوني”: فالسياسة تُقرأ بحقائق الأفعال ونتائجها، لا بجمال الشعارات وحدها، والميليشيات الحوثية تمثل أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة، كما ارتبط حزب الله اللبناني بالمشروع الإيراني الإقليمي، فلا ينبغي إغفال البعد العقدي في هذا الصراع، موضحًا أن دوائر هذا المشروع وأذرعه تحمل خطابًا مذهبيًا أسهم في تأجيج الصراع الطائفي واستهداف أهل السنة في عدد من ساحات الصراع؛ ولذلك فإن مواجهة هذا المشروع تحتاج، إلى جانب الوعي السياسي، إلى وعي عقدي راسخ، وتمسك بعقيدة أهل السنة والجماعة، وعدم الانسياق وراء محاولات التهوين من حقيقة الخلاف العقدي السني الشيعي.
وأوضح أن خطورة التمدد الحوثي لم تعد مجرد نفوذ سياسي أو عسكري داخل دولة عربية؛ فالموقع الذي يسيطر عليه الحوثيون على الساحل اليمني يضع باب المندب في قلب الحسابات الاستراتيجية؛ وهذا المضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكّل جزءًا أساسيًا من الطريق البحري بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
كما أشار “بسيوني” إلى أن الهجمات الحوثية خلال السنوات الماضية دفعت سفنًا إلى تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بما رفع تكاليف النقل والتأمين وأربك حركة التجارة، ومن هنا لا يتعلق الأمر باليمن وحده؛ فتهديد باب المندب يمس أمن السعودية ومصالح مصر ودول الخليج وحركة التجارة الدولية، وهو ما يفسر تأكيد القاهرة والرياض أهمية حرية وأمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.
وأكد أن مضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، واضطراب الملاحة فيه يمثل ورقة ضغط اقتصادية واستراتيجية بالغة التأثير، ومن هنا تتضح الصورة كاملة: باب المندب من الجنوب، وهرمز من الشرق؛ وبينهما شبكة من الممرات التي تحمل جانبًا أساسيًا من تجارة الطاقة العالمية، منوهًا بأن النفوذ على هذه الممرات يتحول من مجرد مكسب عسكري إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية؛ ترفع كلفة النقل والطاقة، وتهدد سلاسل الإمداد، وتفرض على الدول حسابات جديدة.
وشدد “بسيوني” على أن هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تغيب عن قراءة المشروع الإيراني وأذرعه؛ فالمسألة ليست مجرد صواريخ ومسيّرات وميليشيات متفرقة، وإنما شبكة نفوذ تمتد عبر الإقليم وتقترب من أهم الممرات الاستراتيجية التي تتحرك عبرها التجارة والطاقة، كما أنه لا يجب أيضا أن نقرأ هذا الخطر بمعزل عن المشروع الصهيوني ومحاولاته التوسعية في الإقليم، وما يرتبط به من صراعات وأعمال استخباراتية؛ فالأمة ليست أمام تهديد مشروع واحد، وإنما أمام مشروعات صهيونية / وصفوية / وغربية تتنافس على النفوذ والهيمنة عبر تحويل المنطقة العربية والإسلامية إلى ساحات للصراع وتصفية الحسابات.
وقال: ولذا فليس مطلوبًا من الأمة أن تختار بين مشروع إيراني أو مشروع صهيوني وولاء غربي، وإنما المطلوب أن تمتلك هي مشروعها الذاتي؛ مشروعًا إسلاميًا سنيًا مستقلًا، يحفظ عقيدة الأمة وهويتها، ويحمي أوطانها وسيادتها، ويصون مقدساتها، ويدافع عن قضاياها العادلة، ويحفظ مصالحها الاستراتيجية، ويرفض أن تتحول أرض المسلمين وممراتهم البحرية إلى أدوات ضغط في يد أي قوة خارجية.
وأكد “بسيوني” أن أمن مكة والمدينة ليس شأنًا محليًا، وأمن البحر الأحمر وباب المندب ليس شأنًا يمنيًا أو سعوديًا فقط، وأمن الخليج وهرمز ليس شأنًا إيرانيًا أو خليجيًا منفردًا؛ إنها دوائر متصلة، وأي اضطراب كبير فيها تمتد آثاره إلى عموم المنطقة، وفي مقدمتها مصر والسعودية ودول الخليج، لافتًا إلى أن المطلوب هو وعي سياسي وعقدي واستراتيجي لا تنطلي عليه الشعارات، وأن الأمة أكبر من أن تختزل في دولة، وأوسع من أن تحتكرها جماعة أو ميلشيات، وأعظم من أن تكون ميدانًا تتصارع فوقه مشاريع الآخرين.
كما شدد رئيس “عليا النور” على أنه حين تتكلم الصواريخ، ينبغي ألا تصمت العقول، وحين تتغير خرائط النفوذ، ينبغي أن ندرك حقيقة الواقع؛ فما يجري من باب المندب إلى مضيق هرمز، ومن غزة إلى الجولان، ومن ليبيا إلى السودان ليس مجرد صراع على النفوذ فقط، بل صراع على أمن المنطقة وقرارها ومقدراتها وممراتها الاستراتيجية، مؤكدًا على أنه لا تصان المقدسات بالشعارات، ولا تُحمى الأوطان بالوكالة، ولا يُستعاد القرار إلا بامتلاك الأمة مشروعها وإرادتها.




