الأحد، 30 أغسطس 20267:43 مساءً
آراء حرة

د. فايزة خطاب تكتب .. مصر والصين وشراكات المستقبل

الأحد، 30 أغسطس 2026 02:29 مساءً
د. فايزة خطاب تكتب .. مصر والصين وشراكات المستقبل
د. فايزة خطاب
15

تأتي الزيارة الرسمية المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في لحظة تتجاوز في دلالاتها حدود اللقاءات الرسمية، لتفتح نافذة جديدة على مستقبل العلاقات المصرية الصينية، في ظل تحولات متسارعة يشهدها النظام الدولي، وإعادة تشكيل لموازين القوة والنفوذ، وتزايد أهمية الشراكات التي تقوم على المصالح المتبادلة والقدرة على بناء المستقبل.

 

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لأنها تتزامن مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين في عام 1956، حين كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. ومنذ ذلك التاريخ مرت العلاقات بمراحل متعددة، لكنها حافظت على قدر كبير من الاستمرارية، حتى انتقلت في السنوات الأخيرة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

 

ومن منظور تاريخي واستراتيجي، فإن قوة العلاقات المصرية الصينية لا تستند فقط إلى المصالح الراهنة، وإنما إلى تراكم طويل من التواصل السياسي والثقة المتبادلة. فالعلاقات بين القاهرة وبكين تأسست في مرحلة كانت فيها خريطة النظام الدولي مختلفة تمامًا عن عالم اليوم، لكن قدرة البلدين على تطوير العلاقة مع تغير الظروف تكشف عن مرونة سياسية واستراتيجية مهمة.

فالصين لاعبًا دوليًا رئيسيًا في الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، بينما تواصل مصر ترسيخ موقعها كدولة محورية في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتمتلك مقومات جغرافية وسياسية واقتصادية تجعلها شريكًا مهمًا في الحسابات الصينية تجاه المنطقة.

 

وهنا تبرز خصوصية العلاقة؛ فالصين تبحث عن شراكات مستقرة وطويلة المدى في مناطق استراتيجية، ومصر تمتلك موقعًا يجعلها نقطة التقاء بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، فضلًا عن قناة السويس وموقعها في قلب حركة التجارة العالمية، وامتدادها العربي والأفريقي، وثقلها السياسي والدبلوماسي.

 

ومن ثم فإن مصر يمكن أن تكون مركزًا للإنتاج والتصنيع والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير إلى أسواق واسعة في أفريقيا والعالم العربي وأوروبا.

 

وفي المقابل، فإن مصر تحتاج إلى الاستفادة من القدرات الصينية في مجالات الاستثمار والصناعة والتكنولوجيا والبنية الأساسية والطاقة والتحول الرقمي، بما يدعم أهداف التنمية المصرية ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.

 

وهنا ينبغي أن تنتقل العلاقة في المرحلة المقبلة من مفهوم “التعاون” إلى مفهوم أكثر عمقًا هو “التكامل في المصالح”.

 

فالاستثمارات الصينية في مصر يمكن أن تمثل رافعة مهمة للتصنيع ونقل التكنولوجيا إذا ارتبطت بزيادة القيمة المضافة المحلية، وتدريب العمالة المصرية، وتطوير سلاسل التوريد، وزيادة الصادرات، وليس فقط بإقامة مشروعات تستهدف السوق المحلية.

 

وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها إحدى أهم نقاط الالتقاء بين الرؤية المصرية والرؤية الصينية. فالموقع الاستراتيجي للمنطقة يمنح الاستثمارات الصينية فرصة للوصول إلى أسواق متعددة، بينما تستطيع مصر من خلال هذه الشراكة تعظيم الاستفادة من موقعها وتحويله من مجرد ميزة جغرافية إلى قيمة اقتصادية وإنتاجية مستدامة.

 

فالمرحلة القادمة تحتاج إلى التركيز على الصناعات ذات القيمة المضافة، والصناعات التكنولوجية، والطاقة الجديدة، والصناعات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية، بما يجعل مصر شريكًا في الإنتاج وليس مجرد نقطة عبور أو سوق للمنتجات.

 

كما أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يمثلان أحد أهم مجالات الشراكة المستقبلية. فمفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين لم يعد مرتبطًا فقط بحجم الموارد التقليدية، وإنما بامتلاك المعرفة والقدرة على إنتاج التكنولوجيا وتوظيفها.

 

وتملك الصين خبرات واسعة في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنية التكنولوجية والمدن الذكية، بينما تمتلك مصر قاعدة بشرية كبيرة وسوقًا واسعة وموقعًا إقليميًا يمكن أن يجعلها مركزًا لتطبيقات التكنولوجيا في المنطقة.

 

ومن هنا يمكن أن تتطور الشراكة المصرية الصينية من التعاون في البنية التحتية إلى التعاون في بناء اقتصاد المستقبل، بما يشمل الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والتكنولوجيا المالية، والاتصالات، والأمن السيبراني، والمدن الذكية، والتطبيقات الصناعية الحديثة.

 

لكن القيمة الحقيقية لهذه الشراكات ستظل مرتبطة بقدرتها على نقل المعرفة وبناء القدرات المصرية. فالمستقبل لا ينبغي أن يكون قائمًا على استيراد التكنولوجيا فقط، وإنما على إنتاج المعرفة وتوطينها وتطوير الكفاءات المصرية القادرة على استخدامها والابتكار فيها.

 

ولا يقل عن ذلك أهمية التعاون في مجال الطاقة، خصوصًا في ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والمتجددة. وتمتلك مصر إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بينما تمتلك الصين قدرات صناعية وتكنولوجية ضخمة في مجالات الطاقة الجديدة ومكوناتها، بما يتيح فرصًا واسعة لمشروعات مشتركة تخدم أهداف التنمية المستدامة في البلدين.

 

أما التعليم والبحث العلمي، فينبغي أن يحظيا بمكانة أكبر في أجندة العلاقات خلال المرحلة المقبلة. فالشراكات الاقتصادية يمكن أن تبني مشروعات، لكن الشراكات العلمية تبني أجيالًا قادرة على استمرار هذه المشروعات وتطويرها.

 

ومن هنا تبرز أهمية زيادة التبادل الأكاديمي، وإنشاء برامج بحثية مشتركة، وتشجيع التعاون بين الجامعات ومراكز الفكر والدراسات، وتوسيع برامج تعليم اللغة والثقافة، بما يخلق فهمًا متبادلًا أعمق بين المجتمعين المصري والصيني.

 

وفي المجال السياسي، فإن العلاقات المصرية الصينية تكتسب أهمية إضافية في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة والنظام الدولي. فمصر تمتلك خبرة دبلوماسية وسياسية ممتدة في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط، بينما أصبحت الصين أكثر حضورًا في الملفات الدولية والإقليمية.

 

وهذا يفتح المجال أمام مزيد من التشاور بين القاهرة وبكين بشأن قضايا الأمن والاستقرار، والقضية الفلسطينية، وأمن البحر الأحمر، والتنمية الإقليمية، وإعادة الإعمار، فضلًا عن القضايا المرتبطة بإصلاح النظام الدولي وتوسيع مساحات التعاون بين دول الجنوب.

 

ومن المهم هنا التأكيد أن تنامي العلاقات المصرية الصينية لا يعني الدخول في سياسة المحاور، وإنما يعكس توجهًا مصريًا يقوم على تنويع الشراكات وتعظيم هامش الحركة الاستراتيجية.

 

فمصر بحكم موقعها ومصالحها الوطنية تحتاج إلى علاقات متوازنة ومتعددة مع مختلف القوى الدولية، والصين تمثل أحد أهم أضلاع هذه السياسة بما تمتلكه من ثقل اقتصادي وتكنولوجي ودولي.

 

وفي المقابل، تستفيد الصين من مصر باعتبارها دولة محورية في منطقة شديدة الأهمية، وبوابة إلى أفريقيا والعالم العربي، وشريكًا قادرًا على المساهمة في تعزيز الحضور الاقتصادي والسياسي الصيني في المنطقة.

 

ومن هنا يمكن القول إن العلاقة المصرية الصينية تحمل قدرًا كبيرًا من التكامل الاستراتيجي؛ فالقوة الصينية الاقتصادية والتكنولوجية تلتقي مع الموقع المصري والثقل السياسي والجغرافي.

 

لكن تحويل هذا التكامل إلى نتائج ملموسة يحتاج إلى رؤية أكثر دقة في إدارة الشراكة، بحيث تكون الأولوية للمشروعات التي تحقق قيمة مضافة للاقتصاد المصري، وتزيد فرص العمل، وتنقل التكنولوجيا، وتدعم الصناعة الوطنية، وتفتح أسواقًا جديدة أمام المنتج المصري.

 

فنجاح الشراكات لا يقاس بعدد الاتفاقيات التي يتم توقيعها، وإنما بما تتركه هذه الاتفاقيات من أثر مستدام على الاقتصاد والمجتمع وقدرة الدولة على المنافسة.

 

ومن زاوية استشراف المستقبل، أرى أن العلاقات المصرية الصينية يمكن أن تدخل خلال السنوات المقبلة مرحلة جديدة يمكن وصفها بأنها مرحلة شراكات المستقبل؛ شراكات تتجاوز التجارة والاستثمار إلى الإنتاج والتكنولوجيا والمعرفة والطاقة والتنمية البشرية والتنسيق السياسي.

 

وقد يكون أحد أهم التحولات المطلوبة هو الانتقال من العلاقة القائمة على “المشروعات” إلى العلاقة القائمة على “منظومة متكاملة من المصالح المشتركة”؛ بحيث ترتبط الاستثمارات بالصناعة، والصناعة بالتكنولوجيا، والتكنولوجيا بالتعليم والبحث العلمي، وكل ذلك بالقدرة على التصدير والانفتاح على الأسواق الإقليمية.

 

إن مصر تمتلك فرصة تاريخية في هذا السياق، ليس فقط بسبب موقعها، وإنما بسبب ما تشهده من إعادة بناء واسعة للبنية الأساسية والاقتصادية، وما تملكه من إمكانات بشرية وسوق إقليمية واسعة.

 

كما أن الصين، في ظل تحولها إلى قوة عالمية ذات حضور اقتصادي وتكنولوجي متزايد، تبحث عن شركاء قادرين على بناء علاقات طويلة المدى ومستقرة، ومصر يمكن أن تكون أحد هؤلاء الشركاء في المنطقة.

 

ومن ثم فإن زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى مصر ينبغي أن تُقرأ باعتبارها محطة مهمة في مسار يمتد لسبعين عامًا، لكنه في الوقت نفسه يمثل فرصة لفتح أفق جديد للعقود القادمة.

 

فالتاريخ يمنح العلاقات أساسًا قويًا، والجغرافيا تفرض المصالح المشتركة، والاقتصاد يخلق فرصًا جديدة، أما المستقبل فيحتاج إلى رؤية وإرادة وقدرة على تحويل الفرص إلى شراكات حقيقية.

 

إن مصر تسعى إلى بناء شبكة متوازنة من العلاقات الدولية التي تعظم مصالحها الوطنية وتوسع خياراتها الاستراتيجية. وفي هذا الإطار تمثل الصين شريكًا مهمًا يمكن أن تسهم العلاقة معه في دعم التنمية المصرية، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز التصنيع، وفتح أسواق جديدة، وتطوير القدرات البشرية.

 

إن سبعة عقود من العلاقات المصرية الصينية ليست مجرد ذكرى تاريخية، وإنما رصيد يمكن البناء عليه. وإذا نجحت القاهرة وبكين في توظيف هذا الرصيد في بناء شراكات جديدة في الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتعليم والسياسة، فإن العلاقة يمكن أن تنتقل إلى مستوى أكثر تأثيرًا، ليس فقط في العلاقات الثنائية، وإنما في تشكيل ملامح التعاون في المنطقة.

 

وفي عالم تتغير فيه موازين القوة وتتسارع فيه التحولات، تصبح الدول الأكثر قدرة على حماية مصالحها هي الدول التي تمتلك رؤية واضحة، وتنوع شراكاتها، وتستثمر في موقعها وقدراتها البشرية والتكنولوجية.

 

ومن هنا يمكن أن تكون مصر والصين وشراكات المستقبل عنوانًا لمرحلة جديدة؛ مرحلة تنتقل فيها العلاقات من قوة التاريخ إلى قوة المصالح، ومن التعاون التقليدي إلى الابتكار والشراكة، ومن استثمار الفرص القائمة إلى صناعة فرص جديدة.

 

فزيارة الرئيس شي جين بينغ يمكن أن تكون بداية لمرحلة جديدة من العلاقات المصرية الصينية