الأحد، 30 أغسطس 20266:50 مساءً
آراء حرة

أمجد فتحي يكتب: عندما يصبح الأمن الصناعي قضية حقوق إنسان.. العامل بين الحق في العمل والحق في السلامة

الأحد، 30 أغسطس 2026 11:44 صباحًا
أمجد فتحي يكتب: عندما يصبح الأمن الصناعي قضية حقوق إنسان.. العامل بين الحق في العمل والحق في السلامة
أمجد فتحي – مستشار اعلامي
15

في كل صباح، يغادر العامل منزله إلى عمله، وتبقى أسرته على يقين بسيط: أنه سيعود إليها سالمًا. هذا اليقين ليس تفصيلًا عابرًا في حياة الإنسان، بل تعبير عن حق أصيل في الحياة والسلامة والكرامة. ومن هنا، فإن السؤال عن الأمن الصناعي لا ينبغي أن يبدأ من عدد اللوائح أو إجراءات التفتيش، وإنما من سؤال أكثر جوهرية: هل يتمتع الإنسان داخل مكان عمله بالحماية التي تكفل له ممارسة حقه في العمل دون أن تصبح حياته أو صحته ثمنًا لهذا العمل؟

 

من منظور حقوق الإنسان، العامل ليس مجرد طرف في علاقة إنتاج، وإنما صاحب حقوق أصيلة لا تتوقف بمجرد دخوله المصنع أو الشركة. فالحق في الحياة والسلامة الجسدية والصحة والكرامة والعمل في ظروف عادلة وآمنة، كلها حقوق يجب أن تكون حاضرة داخل بيئة العمل كما هي خارجها.

 

ولهذا، فإن توفير بيئة عمل آمنة لا ينبغي أن يُعامل باعتباره ميزة تمنحها المؤسسة للعامل أو تكلفة تضاف إلى حسابات الإنتاج، وإنما التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا بحماية حقوقه الأساسية.

 

وعندما تقع إصابة أو وفاة، لا يكفي أن نسأل: هل أخطأ العامل؟ فقد يكون قد أخطأ فعلًا، لكن المنظور الحقوقي يفرض أسئلة أوسع: هل حصل على التدريب الكافي؟ هل توافرت أدوات الوقاية؟ هل كانت المعدات مطابقة لمعايير السلامة؟ هل كانت هناك رقابة فعالة؟ وهل كان العامل قادرًا على الإبلاغ عن الخطر دون خوف من فقدان مصدر رزقه؟

 

هذه الأسئلة لا تعني إعفاء العامل من مسؤوليته، لكنها تمنع اختزال المسؤولية في الحلقة الأضعف. فحماية الحق في بيئة عمل آمنة تفرض التزامات متكاملة على الدولة وصاحب العمل والجهات الرقابية والعامل نفسه، على أن تُقاس مسؤولية كل طرف بقدرته الفعلية على منع الخطر.

 

ومن منظور حقوق الإنسان، تصبح الوقاية أكثر أهمية من العقوبة. فالعقوبة تأتي بعد وقوع الضرر، بينما حماية الحق تقتضي اكتشاف الخطر ومحاولة منعه قبل أن يتحول إلى إصابة أو وفاة. ولا يمكن لأي تعويض، مهما بلغت قيمته، أن يعيد حياة فقدت، أو يمحو آثار إصابة قد تغيّر مستقبل إنسان وأسرته بالكامل.

 

كما أن حماية حقوق العامل لا تنتهي عند وقوع الإصابة، وإنما تمتد إلى العلاج والتأهيل والتعويض والحماية الاجتماعية، وإلى تمكين المصاب من استعادة قدرته على العمل والحياة قدر الإمكان. فالعامل المصاب ليس رقمًا في منظومة التأمين أو ملفًا إداريًا، وإنما إنسان له كرامة ومستقبل وأسرة تتأثر بما أصابه.

 

وتفتح التطورات التكنولوجية مجالًا جديدًا لتعزيز هذه الحقوق، من خلال استخدام الأنظمة الحديثة والذكاء الاصطناعي في اكتشاف المخاطر وتحليل الحوادث والتنبؤ بالأعطال. غير أن التكنولوجيا تظل أداة، ولا يمكن أن تحل محل الإرادة الحقيقية في وضع الإنسان وسلامته فوق اعتبارات الإنتاج والربحية.

 

إن القضية في جوهرها ليست فقط: كيف نمنع الحوادث؟ وإنما: كيف نضمن ألا يُضطر الإنسان إلى الاختيار بين حقه في العمل وحقه في الحياة والسلامة؟

 

وهنا يصبح الأمن الصناعي اختبارًا حقيقيًا لاحترام حقوق الإنسان. فالدولة مطالبة بالرقابة والإنفاذ، وصاحب العمل مطالب بتوفير بيئة آمنة، والعامل مطالب بالالتزام بإجراءات السلامة والإبلاغ عن المخاطر، والمجتمع مطالب بألا يتعامل مع إصابات العمل باعتبارها مجرد أرقام أو أخبار عابرة.

 

فالتنمية التي تزيد الإنتاج بينما تعرض الإنسان للخطر ليست تنمية مكتملة الأركان. والنجاح الحقيقي لأي منظومة عمل لا يقاس فقط بما تنتجه، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية من ينتج.

 

فالعامل لا يبيع حياته عندما يبيع قوة عمله، والعودة سالمًا إلى أسرته ليست امتيازًا تمنحه له المؤسسة، وإنما حق أصيل من حقوق الإنسان.