
في كل مرة يشتري فيها المواطن وحدة سكنية جديدة، فإنه لا يشتري أربعة جدران ومساحة من الأرض فقط، وإنما يضع جزءا من مستقبله ومستقبل أسرته في هذا القرار، سنوات من الادخار، والتزامات تمتد لسنوات، وأقساط تقتطع من دخل الأسرة، وأحلام ترتبط بموعد محدد للتسليم.. و أي خلل في العلاقة بين المواطن والمطور العقاري لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خلاف تجاري عابر، لأن تداعياته تتجاوز أطراف التعاقد إلى الثقة في السوق وفي منظومة الاستثمار بأكملها.
من هنا تأتي أهمية توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن مراجعة عقود شركات التطوير العقاري وضمان حقوق المواطنين، باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب قواعد اللعبة داخل السوق العقارية، ووضع إطار أكثر وضوحا وانضباطا للعلاقة بين المواطن والمطور، القضية ليست في التضييق على الشركات أو تعطيل الاستثمار، وإنما في الوصول إلى المعادلة التي تضمن أن تكون هناك سوق قوية وجاذبة للاستثمار، وفي الوقت نفسه لا تترك المواطن وحده في مواجهة مخاطر التعثر أو التأخير أو البنود التعاقدية غير المتوازنة.
السوق العقارية المصرية شهدت خلال السنوات الماضية توسعا كبيرا، وأصبحت واحدة من أهم محركات النشاط الاقتصادي، بما توفره من فرص عمل واستثمارات وتشغيل لقطاعات واسعة مرتبطة بالتشييد والبناء والنقل والخدمات والصناعات المغذية، لكن هذا الحجم الكبير من النشاط يحتاج بالضرورة إلى منظومة رقابية وتشريعية تتناسب معه فكلما كبر حجم السوق، أصبح من الضروري أن تصبح قواعدها أكثر وضوحا، وأن تنتقل الدولة من التدخل عند ظهور المشكلة إلى الوقاية منها قبل وقوعها.
والبداية الحقيقية في رأيي يجب أن تكون من المعلومة، المواطن لا يستطيع اتخاذ قرار استثماري سليم إذا كانت المعلومات المتعلقة بالمشروع أو الشركة غير متاحة بصورة واضحة وأصبح من الضروري إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية موحدة للمطورين والمشروعات العقارية بحيث يستطيع المواطن قبل التعاقد معرفة الموقف القانوني للمشروع، وملكية الأرض، والتراخيص، ونسب التنفيذ الفعلية، والمواعيد المعلنة للتسليم، وسابقة أعمال الشركة، مثل هذه المنظومة ستغير طبيعة السوق نفسها، لأنها ستنقل المواطن من موقع المتلقي للإعلان إلى موقع الطرف القادر على اتخاذ قرار مبني على معلومات.
هنا يجب أن نتوقف أمام فكرة تصنيف المطورين العقاريين، وهي خطوة يمكن أن تمثل نقلة نوعية في تنظيم القطاع، وليس منطقيا أن تتساوى شركة لها سجل طويل من المشروعات الناجحة والالتزام بمواعيد التسليم مع شركة أخرى لديها تاريخ من التعثر والشكاوى، يجب أن يكون هناك تقييم موضوعي وشفاف يستند إلى نسب الإنجاز، وجودة التنفيذ، والالتزام بالمواعيد، والقدرة المالية، وسابقة الأعمال، والأهم أن يعرف المواطن هذا التقييم قبل أن يدفع أمواله.
كما أن ربط الحصول على أراض جديدة بسجل المطور وأدائه الفعلي يمكن أن يصبح إحدى أهم أدوات ضبط السوق، الأرض ليست مجرد أصل يمنح، وإنما جزء من سياسة الدولة التنموية، ومن الطبيعي أن تكون أولوية التوسع للمطور الذي أثبت قدرته على التنفيذ والالتزام وفي المقابل، فإن الشركة المتعثرة يجب أن تخضع لمراجعة دقيقة قبل السماح لها بالتوسع في مشروعات جديدة، حتى لا تتراكم الالتزامات وتتسع دائرة المتضررين.
أما حسابات الضمان، فهي واحدة من الأدوات التي تستحق دراسة جادة وتطبيقا منضبطا، خاصة في المشروعات الكبرى، الفكرة ببساطة أن تكون أموال الحاجزين مرتبطة بالمشروع الذي دفعوا من أجله، وأن يتم استخدام هذه الأموال وفق نسب الإنجاز الفعلية، هذا النظام يحقق قدرا أكبر من الحماية للمواطن، وفي الوقت نفسه يفرض على المطور إدارة أكثر انضباطا للتدفقات المالية الخاصة بالمشروع.
إن حماية حقوق المواطن لا يمكن الحديث عنها دون مراجعة العقود نفسها، هناك فارق كبير بين أن يكون العقد واضحا ومتكافئا وبين أن يكون مليئا بالتفاصيل القانونية التي قد لا يدرك المواطن آثارها إلا بعد وقوع المشكلة، يجب أن تكون مواعيد التسليم، وغرامات التأخير، والمصروفات الإضافية، وآليات تعديل الأسعار أو المساحات، وشروط الإلغاء والاسترداد، مكتوبة بصورة واضحة لا تحتمل التأويل وإذا كان المواطن يلتزم بكل ما عليه، فمن الطبيعي أن يلتزم المطور بكل ما تعهد به.
كذلك فإن سوق الإعلانات العقارية تحتاج إلى قدر أكبر من التنظيم، لا ينبغي أن تتحول الحملات الإعلانية إلى مساحة لبيع الوعود قبل اكتمال الأساس القانوني للمشروع الإعلان عن مشروع عقاري ليس مجرد نشاط تسويقي؛ إنه دعوة للمواطن إلى توظيف مدخراته والتزامه المالي لسنوات ولذلك يجب أن يكون الإعلان قائما على معلومات دقيقة، وألا يتم الترويج لمشروع قبل التأكد من استيفاء التراخيص والموافقات اللازمة.
ومن الملفات التي تحتاج إلى حلول عملية وسريعة أيضا مسألة المنازعات العقارية المواطن الذي يدخل في نزاع مع شركة قد يجد نفسه أمام سنوات من الإجراءات، بينما تظل أمواله معلقة والوحدة التي دفع فيها مدخراته خارج نطاق الاستفادة، ويمكن أن يكون إنشاء آلية متخصصة وسريعة لتسوية المنازعات العقارية عنصرا مهما في حماية حقوق الطرفين، التسوية السريعة لا تحمي المواطن فقط، وإنما تحمي أيضا الشركات الجادة من نزاعات طويلة قد تؤثر في سمعتها ومركزها المالي.
إن الهدف النهائي من كل هذه الإجراءات ليس صناعة سوق أكثر تشددا، وإنما صناعة سوق أكثر ثقة وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الاستثمار لا يهرب من التنظيم، وإنما يهرب من الفوضى وعدم وضوح القواعد، المطور الجاد يحتاج إلى قواعد مستقرة حتى يستطيع التخطيط والتوسع، والمواطن يحتاج إلى ضمانات واضحة حتى يستطيع اتخاذ قرار الشراء بثقة وبالتالي فإن تنظيم السوق لا يتعارض مع الاستثمار، بل يوفر له البيئة الأكثر استدامة.
وفي تقديري، فإن المرحلة الحالية تفرض الحاجة إلى تشريع موحد ينظم السوق العقارية ويحدد بشكل واضح العلاقة بين المطور والمشتري، وينظم عملية الإعلان والبيع والتعاقد والتسليم، ويضع قواعد واضحة لحسابات الضمان، وتصنيف المطورين، والتعامل مع حالات التعثر، وتسوية المنازعات، مع الحفاظ على حقوق الشركات الجادة وعدم تحميلها أعباء غير مبررة.
نحن أمام سوق تمس حياة الملايين، وبالتالي لا يمكن أن تظل بعض مشكلاتها رهينة الحلول الجزئية أو التدخل بعد وقوع الضرر، المطلوب هو بناء منظومة متكاملة تجعل حماية المواطن جزءا من تصميم السوق نفسها، وليس مجرد رد فعل على الشكاوى، المواطن الذي يدفع مدخرات عمره في وحدة سكنية لا يطلب معاملة استثنائية، وإنما يطلب شيئا بسيطا وواضحا: أن يحصل على ما دفع ثمنه، في الموعد المتفق عليه، وبالمواصفات التي تعاقد عليها، والمطور الجاد أيضا لا يطلب سوى سوق عادلة لا تساوي بين من يلتزم ومن يتعثر.
هنا تكمن المعادلة الحقيقية: دولة تحمي المواطن، وقواعد تحمي المستثمر، وسوق تحكمها الشفافية وسيادة القانون، عندها فقط يصبح القطاع العقاري محركا حقيقيا للتنمية، لا مجرد سوق لبيع الوحدات.





