السبت، 8 أغسطس 20268:30 مساءً
اقتصاد

الشورت سيلينج يقترب من البورصة المصرية.. «رشا السيد السلاب»: خطوة تاريخية لزيادة السيولة وتعميق السوق بشرط إحكام الرقابة

السبت، 08 أغسطس 2026 03:32 مساءً
الشورت سيلينج يقترب من البورصة المصرية.. «رشا السيد السلاب»: خطوة تاريخية لزيادة السيولة وتعميق السوق بشرط إحكام الرقابة
الدكتور رشا السلاب
15

تقترب البورصة المصرية من دخول مرحلة جديدة في أدوات التداول، مع تسارع الاستعدادات لتفعيل آلية الشورت سيلينج (Short Selling) أو اقتراض الأوراق المالية بغرض البيع، في خطوة طال انتظارها داخل سوق المال المصرية، وسط توقعات بأن تسهم الآلية في زيادة السيولة وتعميق السوق وتحسين كفاءة التسعير وفتح المجال أمام استراتيجيات استثمار وتحوط أكثر تنوعًا.

 

وتأتي التحركات الحالية بالتنسيق بين الهيئة العامة للرقابة المالية والبورصة المصرية وشركة مصر للمقاصة والإيداع والقيد المركزي وشركات السمسرة وأطراف السوق، بهدف استكمال الإطار التنظيمي والتشغيلي اللازم لتطبيق الآلية بصورة آمنة وفعالة.

 

وأكدت رشا السيد محمد السلاب، خبيرة أسواق المال والاقتصاد ونائب ثاني رئيس الاتحاد الاقتصادي لأحزاب مصر، أن تفعيل الشورت سيلينج يمثل خطوة مهمة في مسار تطوير سوق المال المصرية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن نجاح التجربة يرتبط بوجود رقابة قوية وآليات واضحة لإدارة المخاطر وحماية المستثمرين.

 

الشورت سيلينج.. أداة جديدة للتعامل مع صعود وهبوط الأسهم

 

قالت رشا السلاب إن الحديث عن الشورت سيلينج لا ينبغي اختزاله في كونه مجرد أداة تتيح للمستثمر تحقيق أرباح عند انخفاض أسعار الأسهم، وإنما يجب النظر إليه باعتباره جزءًا من عملية أوسع تستهدف نقل البورصة المصرية إلى سوق أكثر تطورًا ومرونة وتنوعًا في الأدوات والاستراتيجيات الاستثمارية.

 

وأوضحت أن البيع على المكشوف يقوم ببساطة على اقتراض المستثمر أسهمًا لا يمتلكها، ثم بيعها في السوق بناءً على توقعه انخفاض سعرها، وبعد تراجع السعر يقوم بشرائها من جديد بسعر أقل وردها إلى الجهة أو المستثمر الذي أقرضها له، ويحقق الفارق بين سعر البيع وسعر إعادة الشراء بعد خصم التكاليف.

 

وبذلك تختلف هذه الآلية عن الاستثمار التقليدي، الذي يعتمد على شراء السهم والاحتفاظ به انتظارًا لارتفاع سعره، إذ تتيح للمستثمر اتخاذ مركز استثماري يستفيد من توقع انخفاض السعر.

 

تحركات مكثفة لإطلاق الآلية

 

وأشارت السلاب إلى أن التحركات الحالية لا تبدأ من نقطة الصفر، حيث أقرت الهيئة العامة للرقابة المالية خلال مارس 2026 ضوابط تنظيم مزاولة عمليات اقتراض الأوراق المالية بغرض البيع، بهدف تعزيز كفاءة السوق وزيادة السيولة والعمق، مع الحفاظ على حقوق المتعاملين.

 

وتضمنت المنظومة إنشاء نظام مركزي للإقراض من خلال شركة مصر للمقاصة، إلى جانب الرقابة على العمليات، ووضع اشتراطات خاصة بشركات السمسرة، وضوابط للضمانات وإدارة المخاطر.

 

ومن أبرز الضوابط توفير غطاء نقدي قبل التنفيذ بنسبة 150% من قيمة المركز المفتوح، يتكون من قيمة الأسهم المقترضة إلى جانب هامش ضمان نقدي، مع إعادة تقييم الأوراق المالية المقترضة والضمانات بصورة يومية وفقًا لأسعار الإقفال.

 

كما تضمنت الضوابط حدودًا للتركز، بحيث لا يتجاوز ما يقدمه المقرض الواحد 5%، ولا يتجاوز اقتراض المقترض الواحد 2% من إجمالي الأسهم حرة التداول للشركة المقيدة.

 

اجتماع يوليو يقترب بالمنظومة من التنفيذ

 

ولفتت خبيرة أسواق المال إلى أن التطور الأبرز جاء في 29 يوليو 2026، عندما عقدت الهيئة العامة للرقابة المالية اجتماعًا موسعًا برئاسة الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة، وبمشاركة قيادات البورصة المصرية ومصر للمقاصة وممثلي شركات السمسرة والمستثمرين، لمناقشة الإطار التنظيمي الجديد ومتابعة الخطوات النهائية لإطلاق الآلية.

 

وركزت المناقشات على استكمال البنية التنظيمية والتشغيلية، وتحديد مسؤوليات أطراف المنظومة، وضمان الربط الكامل بين شركات السمسرة ومصر للمقاصة، بدءًا من إتاحة الأسهم للإقراض وحتى إتمام عمليات التسوية.

 

وأكدت السلاب أن هذه التحركات تعكس جدية واضحة في الانتقال بالشورت سيلينج من مرحلة الدراسات والمناقشات التي استمرت لسنوات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

 

لماذا تحتاج البورصة المصرية إلى الشورت سيلينج؟

 

وترى رشا السلاب أن السوق المصرية تحتاج إلى أدوات تسمح للمستثمر بالتعامل مع الاتجاهين الصاعد والهابط، بدلًا من اقتصار فرص تحقيق الأرباح بصورة أساسية على ارتفاع أسعار الأسهم.

 

وأضافت أن وجود الشورت سيلينج يمكن أن يعزز كفاءة اكتشاف الأسعار (Price Discovery)، لأن سعر السهم يصبح انعكاسًا أكثر توازنًا لآراء مختلف أطراف السوق، سواء المتفائلين أو المتشائمين بشأن أداء الشركة.

 

كما يمكن للآلية أن ترفع معدلات دوران الأسهم والسيولة، خاصة في الأوراق المالية النشطة، فضلًا عن توفير استراتيجيات استثمار وتحوط أكثر تطورًا للمؤسسات والصناديق والمستثمرين المحترفين.

 

وأكدت أن توافر هذه الأدوات يمثل أحد العناصر المهمة لزيادة تنافسية البورصة المصرية أمام الأسواق الإقليمية التي قطعت شوطًا كبيرًا في تنويع الأدوات الاستثمارية.

 

هل يمثل الشورت سيلينج خطرًا على السوق؟

 

وأكدت السلاب أن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى قدر كبير من الدقة، موضحة أن الشورت سيلينج ليس أداة سلبية في حد ذاته، لكنه مثل أي أداة مالية متقدمة يمكن أن يتحول إلى مصدر للمخاطر إذا تم استخدامه دون ضوابط قوية أو من جانب مستثمرين لا يدركون طبيعة مخاطره.

 

وأوضحت أن المستثمر الذي يشتري سهمًا بالطريقة التقليدية يعرف نظريًا أن أقصى خسارة قد يتعرض لها هي قيمة استثماره إذا هبط السهم إلى الصفر.

 

أما في البيع على المكشوف، فإن الصورة تختلف، إذ إن ارتفاع السهم بدلًا من انخفاضه قد يؤدي إلى خسائر متزايدة للمستثمر الذي اتخذ مركزًا قصيرًا.

 

ومن هنا، تصبح إدارة الضمانات وحدود المراكز المفتوحة ونسب التركز والمتابعة اليومية للأسعار والسيولة عناصر أساسية لنجاح المنظومة.

 

مخاوف صغار المستثمرين.. والرقابة كلمة السر

 

وترى السلاب أن من الطبيعي ظهور مخاوف لدى بعض المستثمرين الأفراد من أن يؤدي الشورت سيلينج إلى زيادة الضغوط البيعية على الأسهم، لكنها شددت على ضرورة التفرقة بين وجود آلية منظمة للبيع على المكشوف وبين عمليات الضغط غير المنضبطة على الأسعار.

 

وقالت إن تطبيق الآلية داخل منظومة واضحة تتضمن حدودًا للمراكز وضمانات كافية ونظام إقراض مركزي ورقابة لحظية، يمكن أن يحول الشورت سيلينج من مصدر قلق إلى أداة ترفع كفاءة السوق.

 

وهنا يظهر الدور المحوري للهيئة العامة للرقابة المالية والبورصة المصرية في مراقبة التداولات بصورة دقيقة، والتعامل مع أي ممارسات قد تهدد سلامة التعاملات أو تؤدي إلى تلاعبات سعرية.

 

هل يجذب الشورت سيلينج المستثمر الأجنبي؟

 

وترى رشا السلاب أن أحد أهم المكاسب المحتملة لتفعيل الآلية يتمثل في زيادة قدرة السوق المصرية على جذب المستثمر المؤسسي والأجنبي.

 

وأوضحت أن المؤسسات الاستثمارية العالمية لا تنظر فقط إلى أسعار الأسهم أو معدلات النمو، وإنما تهتم أيضًا بمدى تطور السوق، وتوافر أدوات إدارة المخاطر والتحوط، وسهولة الدخول والخروج، وتنوع الاستراتيجيات الاستثمارية.

 

ومن ثم، فإن تشغيل الشورت سيلينج بالتوازي مع الأدوات المالية الجديدة التي تعمل الجهات التنظيمية على تطويرها، يمكن أن يرفع درجة نضج السوق المصرية ويعزز قدرتها على المنافسة إقليميًا.

 

المقرض أيضًا مستفيد من المنظومة

 

وأشارت السلاب إلى جانب آخر مهم يتمثل في استفادة المستثمر الذي يمتلك الأسهم لفترات طويلة ولا يرغب في بيعها.

 

فمن خلال منظومة إقراض الأوراق المالية، يستطيع هذا المستثمر إتاحة جزء من أسهمه للإقراض والحصول على عائد مقابل ذلك وفقًا للقواعد المنظمة، مع الحفاظ على حقوقه في إطار المنظومة التنظيمية.

 

وبالتالي، لا تقتصر الآلية على توفير فرصة للمستثمر الذي يتوقع انخفاض الأسعار، وإنما يمكن أن توفر أيضًا مصدرًا إضافيًا للعائد لحاملي الأسهم المؤهلين للإقراض.

 

التوعية.. التحدي الأكبر قبل التنفيذ

 

وأكدت خبيرة أسواق المال أن التحدي الأكبر أمام نجاح الشورت سيلينج في مصر لا يرتبط بالجانب الفني وحده، وإنما يمتد إلى الثقافة الاستثمارية.

 

وأوضحت أن الآلية أكثر تعقيدًا من عمليات الشراء والبيع التقليدية، ولذلك يجب أن يتزامن السماح بها مع برنامج قوي للتوعية يشرح للمستثمر مفاهيم الاقتراض والضمانات والهامش وإعادة التقييم والمراكز المفتوحة، إلى جانب مخاطر الارتفاع المفاجئ للأسعار.

 

وأشارت إلى أن نجاح الآلية يتطلب نشر الثقافة الاستثمارية بين المقرضين والمقترضين المحتملين، لأن تطوير الأسواق لا يتحقق بإضافة أدوات جديدة فقط، وإنما يحتاج أيضًا إلى مستثمر قادر على فهم هذه الأدوات وإدارتها بصورة صحيحة.

 

هل تغير الآلية شكل التداول في البورصة؟

 

وتوقعت السلاب أن يكون تأثير الشورت سيلينج تدريجيًا وليس لحظيًا، خاصة أن شركات السمسرة والمستثمرين سيحتاجون إلى فترة للتكيف مع النظام الجديد، كما ستحتاج السوق إلى تكوين قاعدة كافية من الأسهم المتاحة للإقراض حتى تصبح الآلية أكثر فاعلية.

 

ومع زيادة الاستخدام، يمكن أن تشهد السوق ارتفاعًا في مستويات السيولة، وزيادة نشاط الأسهم المؤهلة للآلية، وظهور استراتيجيات تداول أكثر تنوعًا.

 

كما يمكن أن يصبح تقييم الأسهم أكثر ارتباطًا بقوة النتائج المالية والتوقعات المستقبلية للشركات، في ظل امتلاك المستثمر خيارًا للتعبير عن رؤيته السلبية تجاه سهم معين بدلًا من الاكتفاء بعدم شرائه.

 

رشا السلاب: نجاح الشورت سيلينج مرهون بـ3 عوامل

 

وحددت رشا السلاب ثلاثة محاور رئيسية لنجاح تجربة الشورت سيلينج في البورصة المصرية.

 

أولًا: الرقابة اللحظية، لمنع استخدام الآلية في ممارسات التلاعب أو الضغط المصطنع على أسعار الأسهم.

 

ثانيًا: توافر السيولة من الأسهم القابلة للإقراض، حتى تعمل المنظومة بصورة طبيعية ولا تتحول إلى أداة محدودة الاستخدام.

 

ثالثًا: التوعية الاستثمارية، لأن دخول المستثمر في أداة لا يفهم طبيعة مخاطرها قد يؤدي إلى نتائج عكسية، سواء عليه أو على السوق.

 

الاختبار الحقيقي.. بين السيولة وحماية المستثمر

 

واختتمت السلاب بالتأكيد على أن التحركات الأخيرة من جانب الهيئة العامة للرقابة المالية والبورصة المصرية ومصر للمقاصة تمثل خطوة مهمة نحو بناء سوق مال أكثر تطورًا وعمقًا.

 

لكنها شددت على أن الاختبار الحقيقي لن يكون في مجرد إطلاق الشورت سيلينج، وإنما في قدرة المنظومة على تحقيق التوازن بين زيادة السيولة وحرية الاستثمار من ناحية، وحماية المستثمر واستقرار السوق ومنع الممارسات الضارة من ناحية أخرى.

 

وأكدت أن تحقيق هذا التوازن يمكن أن يجعل الشورت سيلينج واحدًا من أهم التحولات الهيكلية في أدوات التداول داخل البورصة المصرية خلال المرحلة المقبلة.