
في إنجاز علمي يُضاف إلى رصيد البحث القانوني المصري والعربي، حصل الباحث الدكتور سلطان سليم عوض، المستشار القانوني بإحدى البنوك المصرية الكبرى التابعة للبنك المركزي المصري، والمحامي المقبول للمرافعة أمام محكمتي النقض والدستورية العليا، على درجة الدكتوراه في القانون الأمريكي المصري من كلية الحقوق بجامعة القاهرة، بعد مناقشة رسالته العلمية الموسومة «مراحل البناء الفني للحكم القضائي المدني.. دراسة مقارنة بين النظامين الأمريكي والمصري وآراء الفقه المصري والأمريكي»، والتي قدمت رؤية علمية وعملية متكاملة لتطوير الأحكام القضائية المدنية والاستفادة من التجارب القانونية المقارنة بما يدعم تحديث منظومة العدالة المصرية.
وتُعد الرسالة إضافة نوعية للمكتبة القانونية المصرية والعربية، إذ تناولت الحكم القضائي بوصفه التجسيد الأسمى لسيادة القانون، ودرست المراحل الفنية التي يمر بها بناء الحكم القضائي المدني في كل من النظامين المصري والأمريكي، مع تحليل أوجه الاتفاق والاختلاف بين المدرستين القانونيتين، وطرح حلول عملية تستهدف تطوير منظومة العدالة بما يتواكب مع المستجدات التشريعية والقضائية، ويعزز جودة الأحكام القضائية ويواكب متطلبات العصر.
وأكد الباحث أن الدراسة لم تقتصر على الجانب الأكاديمي، وإنما انطلقت من واقع التطبيق العملي، حيث تناولت عددًا من الإشكاليات التي تواجه الأحكام القضائية المدنية، وقدمت حلولًا علمية قابلة للتطبيق، في ظل ما يبذله القضاء المصري من جهود كبيرة لترسيخ العدالة، ومع الحاجة المستمرة إلى تحديث أدوات القانون وتجديد آليات العمل القضائي بما يتوافق مع التطورات التشريعية والتكنولوجية المتسارعة.
وأجابت الرسالة عن التساؤل الذي يثار حول أسباب اختيار النظام القضائي الأمريكي للمقارنة، رغم اختلافه عن النظام المصري؛ إذ يعتمد النظام الأمريكي، المنتمي إلى المدرسة الأنجلوسكسونية، على السوابق القضائية، بينما يقوم النظام المصري، المنتمي إلى المدرسة اللاتينية، على التشريعات والقوانين المدونة.
وأكدت الدراسة أن المقارنة لا تستهدف نقل تجربة قانونية أو استبدال أخرى، وإنما تهدف إلى الاستفادة من أفضل الممارسات القضائية العالمية بما يتلاءم مع البيئة القانونية المصرية، انطلاقًا من أن تطور القانون يقوم على تبادل الخبرات والاستفادة من التجارب الناجحة، وليس على الانغلاق داخل مدرسة قانونية واحدة.
كما أبرزت الرسالة أهمية الإلمام بالمنهج القانوني الأمريكي في ظل تنامي العلاقات بين مصر والولايات المتحدة في المجالات القانونية والاقتصادية والاستثمارية والثقافية والاجتماعية، إلى جانب التحكيم التجاري الدولي وقضايا الأسرة والتعاون القضائي، خاصة أن عددًا كبيرًا من الاتفاقيات الدولية والعقود العابرة للحدود تُصاغ وفق الأسلوب القانوني الأنجلوسكسوني، الأمر الذي يفرض على الباحثين ورجال القانون الإلمام بتلك المنظومة القانونية والاستفادة من خبراتها.
واستعرض الباحث عددًا من القضايا التي أسهمت في تغيير مسار الفكر القضائي، وقدم مجموعة واسعة من الرؤى والاقتراحات لمعالجة العديد من المشكلات القانونية والقضائية المستجدة، بما يسهم في تطوير منهجية إعداد الأحكام، وتعزيز جودة التسبيب القضائي، وتحقيق العدالة الناجزة، والارتقاء بكفاءة المنظومة القضائية، وتقليل أمد التقاضي، وضمان وصول الحقوق إلى أصحابها في الوقت المناسب.
كما توصلت الدراسة إلى نتائج وتوصيات مهمة من شأنها الإسهام في تطوير القضاء والقانون، وتعزيز الاستفادة من الدراسات المقارنة في معالجة التحديات القانونية الحديثة، وهو ما حظي بإشادة عدد من رجال القضاء وأساتذة القانون، الذين أثنوا على القيمة العلمية للرسالة وما تضمنته من معالجة دقيقة ورؤية بحثية متقدمة يمكن الاستفادة منها في تطوير العمل القضائي مستقبلًا.
وأُنجزت الرسالة تحت إشراف ومناقشة نخبة من كبار أساتذة قانون المرافعات في مصر وفقهاء القانون، يتقدمهم الأستاذ الدكتور أسامة أحمد شوقي، أستاذ قانون المرافعات المدنية والتجارية بكلية الحقوق جامعة القاهرة، مشرفًا وعضوًا، وهو أحد أبرز أعلام الفقه القانوني المعاصر.
كما ضمت لجنة المناقشة والحكم الأستاذة الدكتورة سحر عبد الستار، أستاذ قانون المرافعات وعميد كلية الحقوق بجامعة السادات سابقًا، والأستاذ الدكتور علي رمضان بركات، أستاذ قانون المرافعات بكلية الحقوق جامعة بني سويف وعميد كلية الحقوق الأسبق بجامعة الفيوم، أحد أبرز فقهاء قانون المرافعات في الوطن العربي.
وتضمن الفصل الختامي من الرسالة عددًا كبيرًا من التوصيات والمقترحات التي تستهدف تطوير منظومة التقاضي في مصر، والارتقاء بجودة الأحكام القضائية، بما يواكب التطورات التشريعية والتكنولوجية، ويحقق العدالة الناجزة، ويُسهم في سرعة الفصل في المنازعات.
وجاء في مقدمة تلك التوصيات ضرورة مراعاة حسن الصياغة الفنية للأحكام القضائية، والتأكد من توافر أركانها الثلاثة، باعتبار أن تخلف أحد هذه الأركان قد يؤدي إلى انعدام الحكم، مع التأكيد على أهمية الدقة في التسبيب وجودة الصياغة القانونية بما يعزز الثقة في الأحكام القضائية.
كما أوصت الدراسة بالاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في منظومة إصدار الأحكام وإدارة الدعاوى، بما ينعكس على سرعة الإنجاز ودقة الإجراءات، ويواكب متطلبات العصر والتطور التكنولوجي الذي يشهده العالم.
وأكد الباحث أهمية الاهتمام برجال القضاء وتأهيلهم علميًا وعمليًا، وتكثيف البرامج التدريبية تحت إشراف شيوخ وقامات العدالة، بما يسهم في استعادة ما عُرف عن الأحكام القضائية المصرية من الدقة والبلاغة القانونية التي تميزت بها خلال فترات ازدهار القضاء المصري، ولاسيما خلال حقبة رئاسة عبد العزيز باشا لمحكمة النقض، والتي تُعد من أبرز المحطات المضيئة في تاريخ القضاء المصري.
ودعت الرسالة إلى تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات القضائية مع مختلف الدول، وبصفة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، للاستفادة من الخبرات المتقدمة في النظام القضائي الأنجلوأمريكي، الذي يمثل المرجعية الأساسية لصياغة العديد من الاتفاقيات والمعاهدات والعقود الدولية في العالم المعاصر.
كما أوصى الباحث المشرع المصري بتوحيد التشريعات وإعادة تحديثها، وحذف النصوص المتعارضة، ودمج التشريعات المتشابهة، في ظل كثرة القوانين وتعدد النصوص المنظمة للمسائل القانونية، بما يسهم في تحقيق الاستقرار التشريعي وتيسير تطبيق القانون.
وطالبت الدراسة بتفعيل قانون لجان التوفيق في بعض المنازعات رقم 7 لسنة 2000 وتعديلاته، بحيث تصبح قرارات تلك اللجان ملزمة وليست مجرد توصيات، بما يخفف العبء عن المحاكم، ويوفر الوقت والجهد والنفقات على الدولة والمتقاضين.
كما أوصت بإتاحة أحكام محكمة النقض للمواطنين مجانًا عبر شبكة الإنترنت، بما يسمح للجمهور والباحثين والمحامين والدارسين بالاطلاع على أحدث المبادئ القضائية والاستفادة منها في نشر الثقافة القانونية وترسيخ سيادة القانون.
وشددت الرسالة على أهمية التوسع في الإعلان القضائي الرقمي باستخدام الوسائل الإلكترونية الموثوقة، بما يسهم في سرعة إعلان الخصوم وتقليل الإجراءات التقليدية.
وأكد الباحث ضرورة تفعيل نظام الوساطة الإلزامية كمرحلة سابقة على عرض بعض المنازعات أمام المحاكم، وخاصة منازعات الأحوال الشخصية والأسرة، بما يحقق فرصًا أكبر للتسوية الودية ويحد من تكدس القضايا.
كما أوصى بالتوسع في نظام تحضير الدعوى وإدارة القضايا قبل إحالتها إلى دوائر الحكم، لتحديد نقاط النزاع الجوهرية، وحصر الطلبات والدفوع، بما ينعكس على سرعة الفصل في القضايا وتحقيق العدالة الناجزة.
وتضمنت التوصيات كذلك التوسع في تخصيص الدوائر القضائية، مثل دوائر الملكية الفكرية وغيرها من الدوائر المتخصصة، بما يعزز جودة الأحكام في القضايا ذات الطبيعة الفنية.
ودعا الباحث إلى تدريب القضاة والعاملين بالمحاكم على استخدام التقنيات الحديثة، وتطوير البنية الرقمية للمحاكم، بما يسهم في تسريع إجراءات التقاضي ورفع كفاءة الأداء القضائي.
كما أوصى بالتوسع في وسائل الحلول البديلة للمنازعات، مثل الصلح والوساطة والتحكيم، قبل اللجوء إلى القضاء، وربطها بحزمة من الحوافز، من بينها إعفاء أطراف النزاع من بعض الرسوم حال انتهاء الخصومة بالتصالح، بما يشجع على التسوية الودية ويخفف العبء عن المحاكم.
واقترح الباحث على المشرع إنشاء دائرة استئنافية لفحص الطعون المدنية داخل القضاء العادي، على غرار دوائر الفحص بالمحكمة الإدارية العليا، لتصفية الطعون وتحديد القضايا ذات الأهمية القانونية التي تستحق العرض على دوائر الموضوع، بما يسهم في رفع كفاءة العمل القضائي وتسريع الفصل في الطعون.
وأكد الباحث أن هذه التوصيات تمثل جزءًا من رؤية متكاملة تضم عشرات المقترحات التي تستهدف تحقيق العدالة الناجزة، وضمان سرعة حصول أصحاب الحقوق على حقوقهم، انطلاقًا من أن العدالة المتأخرة قد تُفرغ الحق من مضمونه.
ويمتلك الدكتور سلطان سليم عوض سجلًا علميًا ومهنيًا حافلًا؛ إذ حصل على ليسانس الحقوق، ثم دبلوم العلوم القضائية من جامعة القاهرة بتقدير جيد، كما نال درجة الماجستير في الإعلام والرأي العام وأثره على القضاء في مصر وأمريكا من جامعة القاهرة بتقدير جيد جدًا، إضافة إلى حصوله على شهادتي TOEFL وCIL من كلية الآداب، قسم اللغات والترجمة بجامعة القاهرة.
ويشغل منصب مستشار قانوني بإحدى البنوك المصرية الكبرى التابعة للبنك المركزي المصري، كما سبق له العمل مستشارًا قانونيًا لإحدى المستشفيات الكبرى بالمدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية لعدة سنوات، فضلًا عن كونه محاميًا مقبولًا للمرافعة أمام محكمتي النقض والدستورية العليا.
كما حصل على العديد من الدورات التدريبية المتخصصة في مكافحة غسل الأموال من المعهد المصرفي المصري، وجرائم الأموال والمال العام، وإعداد القيادات، والتزوير والتزييف بوزارة الداخلية، إلى جانب عشرات البرامج القانونية والمصرفية المتخصصة، فضلًا عن اختياره ضمن المتميزين على مستوى محافظتي الأقصر وقنا في المجالات الرياضية والدينية، وحصوله على العديد من شهادات التقدير والتميز.
والجدير بالذكر أن الباحث الدكتور سلطان سليم عوض ينتمي إلى إحدى العائلات العريقة في صعيد مصر، حيث ينحدر من قرية كيمان المطاعنة (كيمان بلد) التابعة لمركز إسنا بمحافظة الأقصر، وهي منطقة تمتلك رصيدًا حضاريًا وتاريخيًا يمتد إلى عصور ما قبل التاريخ.
وتضم المنطقة المعروفة باسم “بين الجبلين” واحدة من أبرز المناطق الأثرية البكر في مصر، إذ كشفت الحفريات الأثرية عن أقدم المقابر البشرية والمومياوات التي دُفنت في وضعية “القرفصاء”، بما يعكس عمقها الحضاري الممتد عبر آلاف السنين.
كما ارتبط اسم المنطقة في العديد من الدراسات التاريخية بأحد أعظم رموز الحضارة المصرية القديمة، إيمحتب، الذي يُعد أيقونة في العمارة والطب والحكمة، لتظل المطاعنة شاهدًا على إرث حضاري وإنساني عريق أنجب عبر العصور شخصيات تركت بصمات بارزة في مختلف المجالات.
ولا تقتصر أهمية هذه الرسالة على كونها إنجازًا أكاديميًا جديدًا للدكتور سلطان سليم عوض، بل تمثل إضافة علمية نوعية للمكتبة القانونية المصرية والعربية، بما تتضمنه من رؤية متكاملة لتطوير البناء الفني للأحكام القضائية المدنية، والاستفادة من التجارب القانونية المقارنة في إطار يحافظ على ثوابت النظام القانوني المصري، وينفتح في الوقت ذاته على أفضل الممارسات العالمية.
كما تعكس الدراسة توجهًا علميًا نحو الانفتاح على المدارس القانونية المختلفة، والاستفادة من التجارب الدولية الرائدة لتطوير الأداء القضائي، وتعزيز جودة الأحكام، وترسيخ مبادئ العدالة وسيادة القانون، ودعم جهود الدولة المصرية في تحديث المنظومة القضائية، وإعداد أجيال جديدة من الباحثين القادرين على الجمع بين التأصيل القانوني والانفتاح على التجارب المقارنة، بما يخدم العدالة ويعزز مكانة البحث القانوني المصري على المستويين الإقليمي والدولي.






