
أكد المهندس سامح بسيوني، رئيس الهيئة العليا لحزب النور، أن تجاوز حدود المزاح المباح إلى الاستهانة بالمقدسات والشعائر الدينية، والتطاول على المساجد، والتعريض بالصحابة -رضي الله عنهم-، وتوظيف الآيات والأحاديث في سياقات هزلية، فضلًا عن السخرية من الجنة والنار وما يتعلق بالجزاء الأخروي، ليس مجرد مادة للترفيه أو الإضحاك، بل مسار يؤدي إلى إضعاف هيبة هذه المعاني في النفوس وتجريدها من أثرها التربوي والإيماني.
وأوضح “بسيوني” أن تقديم أنماط الغش والخداع والاستخفاف بالأمانة في صورة كوميدية عبر “إفيهات” تتردد على الألسنة وتنتشر في المجتمع، لا يقف أثره عند حدود التسلية العابرة، بل يسهم في إعادة تشكيل التصورات والسلوكيات لدى المتلقي، ولا سيما الأجيال الناشئة التي تتأثر بما يقدم لها بصورة متكررة وكوميدية.
وأضاف أن هذه الممارسات ليست مجرد “مرآة للمجتمع” كما يزعم البعض، مؤكدًا أن المجتمع المصري في عمومه لا يستهزئ بالمقدسات، ولا يسخر من الصحابة أو النصوص الشرعية، ولا يعبث بحرمة بيوت الله، بخلاف ما يحدث في بعض الأعمال الفنية التي تتحول إلى أدوات لصناعة حالة ثقافية جديدة، وإعادة تشكيل الوعي العام تدريجيًا، عبر التطبيع مع أفكار أو سلوكيات أو ألفاظ لم تكن مقبولة من قبل.
وأشار “بسيوني” إلى أن خطورة تمرير هذه الرسائل عبر الكوميديا والإفيهات تكمن في كونها من أكثر وسائل التأثير انتشارًا ونفاذًا إلى الجماهير، وتمتلك قدرة كبيرة على تحويل ما كان مرفوضًا إلى أمر مألوف، وما كان مستنكرًا إلى مادة للضحك والتداول، حتى تتآكل الحساسية المجتمعية تجاهه شيئًا فشيئًا.
ولفت إلى أن الحديث عن هذه الظواهر ليس حديثًا مفتعلًا أو مبالغًا فيه، بل هو حديث واقعي عن استهداف منظومات القيم والهوية من الداخل، ومحاولات إضعاف المرجعيات الدينية والأخلاقية وإعادة تشكيل الوعي الجمعي بصورة تدريجية وناعمة، معتبرًا أن ذلك يندرج ضمن الأدوات التي توظفها حروب الجيل الخامس في التأثير على المجتمعات من خلال استهداف منظوماتها الفكرية والثقافية والأخلاقية.
وشدد “بسيوني” على أن التساهل مع كل مسار يسهم في هدم الثوابت أو التطبيع مع الاستهزاء بالمقدسات لا يمكن اعتباره أمرًا هامشيًا أو مجرد اختلاف في وجهات النظر؛ لأن أثره يتجاوز العمل الفني ذاته إلى تشكيل البيئة الثقافية والقيمية للمجتمع بأسره.
وأكد أن الوطن الذي يواجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة يحتاج إلى بناء أجيال جادة، وشخصيات تتحمل المسؤولية، وتتمسك بقيمها الدينية والوطنية، وتحافظ على الأمانة والانضباط واحترام المقدسات، لا إلى ترسيخ نماذج من التفاهة، أو تبرير الغش والخداع، أو الاستهانة بالقيم والشرع والثوابت تحت ستار الكوميديا والترفيه.
وأوضح “بسيوني” أن ادعاء أن ما يقدم باسم الفن يعد حرية إبداع مطلقة هو مغالطة واضحة؛ إذ لا يوجد في أي نظام قانوني أو دستوري حريات بلا ضوابط أو حدود، فكل الحقوق والحريات تقف عند الحد الذي يحفظ حقوق المجتمع وثوابته ومصالحه العليا، ولا يمكن الاحتجاج بحرية الرأي أو الإبداع لتبرير الإساءة إلى الشريعة الإسلامية التي نص الدستور المصري على أن مبادئها هي المصدر الرئيسي للتشريع، كما لا يمكن اتخاذ حرية التعبير ستارًا للطعن في القيم الدينية والأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع.
وأضاف أن أحكام المحكمة الدستورية العليا والمحكمة الإدارية العليا استقرت على أن حرية الإبداع الفني، وإن كانت مكفولة دستوريًا، فإنها ليست حرية مطلقة، وإنما تمارس في إطار احترام النظام العام والآداب العامة والقيم الدينية والأخلاقية للمجتمع، مشيرًا إلى أن القيود المنظمة لحرية الرأي والتعبير ليست أمرًا خاصًا بالتشريعات الوطنية فحسب، بل هي مقررة كذلك في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ إذ تنص المادة 19 فقرة 3 على جواز إخضاع هذا الحق لقيود يحددها القانون إذا كانت ضرورية لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
وأوضح “بسيوني” أن الاجتهادات القضائية المقارنة، ومنها بعض أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أقرت كذلك بأن حرية التعبير ليست حقًا مطلقًا، وأن للدول مساحة من التقدير في حماية القيم الدينية والأخلاقية للمجتمع عندما ترى أنها تتعرض للإساءة أو الاستفزاز المتعمد، مشددًا على أن ليس كل ما يعرض يمكن تبريره بأنه “فن” أو “إبداع” أو “حرية”، فحين يتجاوز العمل حدود المسؤولية المجتمعية والوطنية، ويتحول إلى أداة للاستهزاء بالمقدسات أو تشويه الثوابت أو التطبيع مع الانحرافات السلوكية والأخلاقية، فلا يصح التذرع بحرية الإبداع أو حرية الرأي لتبرير ذلك.
كما بيَّن أن القضية ليست “إرهابًا فكريًا” أو “تخويفًا” كما يحاول بعض صناع هذه الأعمال أو المدافعين عنها تصويرها، ولا كما يسعون إلى ممارسته ضد منتقديهم أحيانًا من خلال بيانات وتصريحات تتضمن لغة من التخوين والتهديد المعنوي والقانوني لكل من يخالفهم الرأي، بينما يزعمون في الوقت ذاته الدفاع عن التعددية وحرية التعبير.
وأكد رئيس “عليا النور” أن استخدام الحريات الدستورية غطاءً لتجاوز الحدود والطعن في القيم والثوابت وتشويه الأجيال السابقة واللاحقة لا يمثل دفاعًا عن الحرية، بل يمثل اعتداءً على الأسس التي يقوم عليها المجتمع والدستور ذاته، مشددًا على أن الحرية مسؤولية، ومن دون ضوابط تتحول إلى فوضى، ومن دون قيم تتحول إلى أداة هدم بدلًا من أن تكون وسيلة للبناء والإصلاح.





