الأربعاء، ٣ يونيو ٢٠٢٦١٠:٥١ م
الرئيسية

حزب النور و«برشامة».. هل هربت السياسة إلى معارك السينما؟

الأربعاء، 03 يونيو 2026 06:37 مساءً
حزب النور و«برشامة».. هل هربت السياسة إلى معارك السينما؟
حزب النور و«برشامة».. هل هربت السياسة إلى معارك السينما؟
15

في الوقت الذي تتراكم فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية على كاهل المواطن المصري، وتبحث فيه الدولة عن حلول لقضايا التنمية والتعليم والصحة وفرص العمل، يصر حزب النور على العودة إلى معاركه التقليدية التي لا تضيف إلى الواقع شيئًا بقدر ما تستهلك من الوقت والضجيج. فبدلًا من أن ينشغل الحزب بطرح رؤى سياسية أو اقتصادية تعالج أزمات الناس، اختار أن يوجه مدفعيته كاملة نحو فيلم سينمائي، وكأن أزمة الوطن الحقيقية باتت كامنة في شاشة عرض لا في ملفات أكثر إلحاحًا وخطورة.

لقد كشف البيان الأخير للحزب بشأن فيلم «برشامة» عن أزمة أعمق من مجرد الاعتراض على عمل فني؛ إذ عكس حالة من الارتباك في ترتيب الأولويات، وأعاد إنتاج خطاب قديم يقوم على خوض معارك ثقافية وإثارة الجدل حول الفن والإبداع، بينما تغيب المبادرات والحلول المتعلقة بالقضايا التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. فالأحزاب السياسية تُختبر في قدرتها على التعامل مع تحديات الواقع، لا في قدرتها على تصدر المشهد عبر معارك جانبية تمنحها حضورًا إعلاميًا مؤقتًا.

والأخطر أن الحزب حاول تقديم نفسه باعتباره المدافع الوحيد عن الهوية والقيم، متجاهلًا أن الهوية الوطنية والدينية لم تكن يومًا رهينة فيلم أو مسلسل أو عمل فني، بل تُصان بالتعليم والوعي والثقافة والتنمية. أما اختزال معركة الهوية في مطاردة الأعمال الفنية وتحويلها إلى قضايا رأي عام، فهو نهج لا يعكس قوة المشروع السياسي بقدر ما يكشف عجزه عن الاشتباك مع الملفات الكبرى التي تشغل المواطنين وتحدد مستقبلهم.

ومن هنا لم يكن الجدل الذي أثاره بيان حزب النور مرتبطًا بفيلم «برشامة» وحده، بل بالسؤال الأكبر الذي بات يلاحق الحزب: لماذا يختار دائمًا معارك الشاشات بينما يغيب عن معارك الواقع؟ ولماذا يبدو أكثر حماسًا لمهاجمة فيلم سينمائي من حماسه لتقديم حلول لأزمات المواطن الذي يدّعي تمثيل قيمه والدفاع عن مصالحه؟

هل اختلطت الأولويات؟

القراءة المتأنية لبيان حزب النور تكشف خطابًا يقوم على تصوير فيلم سينمائي باعتباره أزمة وطنية تستوجب تدخل البرلمان والحكومة والجهات الرقابية، وهو ما اعتبره منتقدو الحزب تضخيمًا لقضية فنية على حساب ملفات أكثر إلحاحًا وتأثيرًا في حياة المواطنين.

فالحزب الذي يرفع باستمرار شعارات الدفاع عن الهوية والقيم كان من المنتظر منه، وفقًا لمنتقديه، أن يطرح رؤى أكثر وضوحًا تجاه قضايا الاقتصاد والتنمية والتعليم والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، بدلًا من توجيه جهوده نحو معركة فنية وثقافية تدور في إطار الاختلاف الطبيعي حول الأعمال الإبداعية.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الدفاع عن الهوية لا يتحقق عبر ملاحقة الأعمال الفنية أو تحويلها إلى خصوم سياسيين، بل عبر بناء الإنسان وتعزيز التعليم ونشر الوعي ودعم المؤسسات القادرة على ترسيخ القيم بصورة إيجابية ومستدامة.

خطاب التخويف بدلًا من النقاش

اللافت في بيان الحزب أنه لم يكتفِ بإبداء رأي نقدي تجاه الفيلم، بل قدمه باعتباره خطرًا على العقيدة والوعي والسلم المجتمعي، مستخدمًا لغة تحذيرية عالية السقف.

وهنا يرى منتقدو البيان أن المشكلة لا تكمن في النقد ذاته، وإنما في طبيعة الخطاب الذي يحول الخلاف حول عمل فني إلى معركة وجودية بين الإيمان والانحراف، وبين حماية الدين وهدم القيم، وهو منطق يعتبره كثيرون غير متناسب مع طبيعة النقاش الفني والثقافي في مجتمع متنوع ومتعدد الآراء.

بيان النقابات الفنية.. دفاع عن الإبداع في مواجهة الوصاية

في المقابل، جاء رد اتحاد النقابات الفنية أكثر تركيزًا على المبادئ العامة المرتبطة بحرية الإبداع وحق الاختلاف.

فالنقابات لم تدافع عن الفيلم بوصفه عملًا معصومًا من النقد، بل أكدت أن النقد الفني حق أصيل ومشروع، لكنها رفضت في الوقت ذاته أي خطاب يتضمن تخوينًا أو تحريضًا أو تكفيرًا لصناع الأعمال الفنية.

ومن الناحية التحليلية، نجح بيان النقابات في نقل النقاش من دائرة الصراع الأيديولوجي إلى دائرة الحقوق الدستورية والحريات الثقافية، مؤكدًا أن تقييم الأعمال الفنية يجب أن يتم عبر الجمهور والنقاد والمؤسسات المختصة، لا عبر فرض وصاية فكرية أو سياسية على المجال الإبداعي.

بين النقد المشروع ومحاولات الوصاية

تكشف الأزمة عن صراع أوسع من مجرد الخلاف حول فيلم «برشامة». فهي تعكس رؤيتين مختلفتين لدور الثقافة والفن في المجتمع.

الرؤية الأولى، التي عبر عنها حزب النور، تنطلق من اعتبار الفن مجالًا يجب أن يخضع لضوابط صارمة مرتبطة بتصورات دينية وأخلاقية محددة. أما الرؤية الثانية، التي دافعت عنها النقابات الفنية، فترى أن الفن مساحة للتعبير والإبداع والنقاش، وأن الرد على أي عمل فني يكون بالنقد والرفض الجماهيري أو الإنتاج البديل، لا بالمطالبة بالمنع أو التضييق.

معركة لا تشغل المواطن

يرى كثير من المنتقدين أن المواطن المنشغل بأعباء المعيشة وفرص العمل ومستقبل أبنائه لا يعتبر فيلمًا سينمائيًا القضية الأكثر إلحاحًا على جدول أعمال الوطن، وأن تحويل النقاش العام إلى سجال حول عمل فني لا يضيف حلولًا لمشكلات الناس ولا يجيب عن الأسئلة التي تشغل الشارع.

ومن هنا جاءت الانتقادات التي اعتبرت أن حزب النور أخطأ في ترتيب أولوياته السياسية، واختار خوض معركة تمنحه حضورًا إعلاميًا واسعًا لكنها لا تقدم إجابات عن التحديات الحقيقية التي تواجه المجتمع.