
يشهد الشرق الأوسط اليوم تحولات تتجاوز الإطار التقليدي للأزمات المتكررة، نحو مشهد أكثر تعقيدا وتشابكا في مكوناته السياسية والأمنية التي اعتاد المرور بها على مدار عقود؛ صراعات مفتوحة، وتحالفات يعاد ترتيبها، وموازين قوة تتحرك بسرعة، ومشروعات سياسية يجري الدفع بها لإعادة تشكيل الإقليم وفق تصورات جديدة قد لا تشبه ما عرفناه من قبل، وبين كل ذلك تبقى المنطقة في حالة سيولة غير مسبوقة، وكأن خرائط النفوذ تعاد كتابتها مرة أخرى على وقع الحرب والتفاوض والضغط السياسي في آن واحد.
في قلب هذه اللحظة تقف مصر بوصفها دولة تدرك جيدا طبيعة ما يجري من حولها، وتتعامل معه بعقل الدولة وخبرة التاريخ وحسابات الجغرافيا، فالقاهرة لا تنظر إلى التطورات الجارية باعتبارها أحداثا منفصلة، بل باعتبارها حلقات متصلة ضمن مشهد إقليمي واسع يتغير أمام الجميع، ويحتاج إلى قراءة دقيقة وحركة محسوبة وقدرة مستمرة على الحفاظ على التوازن وسط كل هذا الاضطراب.
ومن يتابع السياسة المصرية خلال السنوات الأخيرة يلاحظ بوضوح أن القاهرة اختارت طريقا شديد الصعوبة لكنه الأكثر اتزانا؛ طريق الصمود السياسي والاستراتيجي القائم على تثبيت المواقف، ومنع الانزلاق إلى الفوضى، والحفاظ على التوازن الإقليمي دون اندفاع أو تهور، ودون تنازل أيضا عن الثوابت والمصالح الوطنية.
مصر تدرك أن المنطقة تقف عند نقطة فارقة، وأن أي قرار غير محسوب قد يدفع الجميع إلى دوائر أكثر اتساعا من الصراع يصعب احتواؤها لاحقا، ولذلك تتحرك بهدوء محسوب، لكن من موقع الفاعل لا المتفرج، ومن موقع الدولة الحاضرة في قلب المعادلة، لا الدولة التي تنتظر نتائجها من بعيد.
وربما كان هذا ما يفسر الحضور المصري المستمر في الملفات الإقليمية الكبرى؛ من القضية الفلسطينية، إلى جهود وقف إطلاق النار، إلى التحركات المرتبطة بأمن البحر الأحمر وشرق المتوسط والحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وصولا إلى إدارة العلاقات مع القوى الدولية والإقليمية المختلفة بما يحفظ الاستقرار ويمنع اتساع نطاق التوتر.
القاهرة تتحرك بمنطق واضح يقوم على أن الاستقرار الإقليمي ليس خيارا سياسيا مؤقتا، بل ضرورة استراتيجية ترتبط بأمن المنطقة كلها ولذلك تبدو مصر حريصة على فتح مسارات للحوار كلما أمكن، وعلى دعم الحلول السياسية، وعلى العمل من أجل احتواء الأزمات قبل تحولها إلى انفجارات كبرى يصعب السيطرة عليها.
وفي الوقت نفسه، فإن مصر لا تسمح بأن يكون هذا الحرص على الاستقرار مدخلا لتجاوز دورها أو المساس بثوابتها، فهي تدير معادلة دقيقة تجمع بين المرونة السياسية والصلابة الاستراتيجية، بين الانفتاح على الحلول، والتمسك الكامل بمحددات الأمن القومي المصري والعربي.
هذه القدرة على إدارة التوازن ليست وليدة اللحظة، بل تعبير عن طبيعة الدولة المصرية نفسها؛ دولة تعرف وزنها جيدا، وتعرف موقعها في الإقليم، وتعرف أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يبنى من دون حضورها، ولا يمكن أن تستقيم معادلاتها في غياب دورها.
ولهذا لا تبدو مصر طرفا عابرا في المشهد، وإنما أحد أهم ركائزه الرئيسية، الجغرافيا تمنحها موقعا مركزيا، والتاريخ يمنحها عمقا سياسيا، والخبرة تمنحها قدرة على قراءة اللحظة بأبعادها المختلفة، وهو ما يجعل تحركها محسوبا ومؤثرا في الوقت نفسه، وربما تكون قيمة الموقف المصري اليوم أنه لا يتحرك بمنطق اللحظة فقط، وإنما بمنطق ما بعدها أيضا؛ ليس فقط كيف تدار الأزمة الآن، بل كيف سيكون شكل المنطقة بعد انتهاء هذه الأزمات، وما الذي يجب الحفاظ عليه حتى لا تتحول الفوضى الراهنة إلى واقع دائم.
وفي زمن تتبدل فيه التحالفات بسرعة، وتتداخل فيه الحسابات الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة، تظل قدرة الدولة على الصمود والثبات والتمسك بالتوازن واحدة من أهم أدوات القوة السياسية، ومصر تقدم في هذه اللحظة نموذجا واضحا لدولة تتحرك بثقة، وتحافظ على حضورها، وتدير موقعها الإقليمي بهدوء وصلابة، وتثبت أن التوازن في أوقات الاضطراب ليس موقفا دفاعيا، بل أحد أكثر أشكال القوة تأثيرا واستمرارا.



