Thursday، 28 May 202607:26 PM
آراء حرة

وائل الغول يكتب: “الهجرة الطوعية”.. كيف تعيد إسرائيل تسويق سيناريو التهجير؟

الخميس، 28 مايو 2026 03:19 مساءً
وائل الغول يكتب: “الهجرة الطوعية”.. كيف تعيد إسرائيل تسويق سيناريو التهجير؟
وائل الغول – كاتب وباحث في الشؤون الإسرائيلية
15

عاد مصطلح “الهجرة الطوعية” إلى واجهة الخطاب الإسرائيلي مجددًا، لكن هذه المرة ليس باعتباره طرحًا هامشيًا داخل اليمين المتطرف، بل كجزء معلن من تصورات “اليوم التالي” في قطاع غزة.

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعاد التأكيد على أن خطة “الهجرة الطوعية” لسكان غزة “ستُنفذ في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة”، رابطًا ذلك بالتطورات العسكرية الأخيرة، ومنها اغتيال القائد العسكري في كتائب القسام محمد عودة.

التصريحات لم تكن معزولة، بل جاءت ضمن مسار سياسي وأمني يتبلور منذ شهور داخل الحكومة الإسرائيلية، يقوم على فكرة إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في غزة تحت ضغط الحرب والدمار والانهيار الإنساني.

استهداف المواصي

جاءت التصريحات بالتزامن مع استهداف المناطق التي كانت إسرائيل نفسها تصنفها سابقًا باعتبارها “آمنة” أو مخصصة للإيواء، مثل منطقة المواصي غرب خان يونس.

فالمواصي تحولت خلال الحرب إلى واحدة من أكبر مناطق النزوح، بعدما دفعت إسرائيل مئات الآلاف من الفلسطينيين للتوجه إليها باعتبارها “منطقة إنسانية”، قبل أن تتعرض لاحقًا لغارات وعمليات قصف متكررة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى بين النازحين.

واستهداف مناطق اللجوء والنزوح، إلى جانب استمرار القصف وتقلص المساحات الآمنة، يعمّق شعور السكان بانعدام الأمان في أي مكان داخل غزة، ويزيد الضغوط النفسية والإنسانية التي قد تدفع بعضهم للتفكير في مغادرة القطاع إذا أُتيحت الفرصة.

تكرار استهداف “المناطق الآمنة” يعزز القناعة بأن الحرب لا تترك مساحة حقيقية للحياة الطبيعية داخل القطاع، وهو ما يجعل الحديث عن “الهجرة الطوعية” مرتبطًا، في نظر كثيرين، بواقع ميداني قائم على الضغط المستمر والاستنزاف الطويل.

من “التهجير القسري” إلى “الهجرة الطوعية”

“الهجرة الطوعية” ليست فكرة جديدة بالكامل، بل إعادة تسويق لمفهوم قديم داخل اليمين الإسرائيلي يقوم على تقليص الكثافة السكانية في غزة باعتباره حلًا أمنيًا طويل الأمد.

وبدلًا من الحديث عن “الترحيل القسري”، يجري استخدام تعبيرات مثل:
– الهجرة الطوعية
– الانتقال الإنساني
– حرية المغادرة
– إعادة التوطين المؤقت

لكن جوهر الفكرة يبقى واحدًا:

دفع السكان إلى مغادرة القطاع تحت ضغط واقع أمني ومعيشي يجعل البقاء شبه مستحيل.

والحديث عن “الطوعية” في ظل الحرب والحصار والدمار الواسع لا يغيّر من طبيعة الأمر قانونيًا، بل قد يندرج ضمن “النقل القسري للسكان” المحظور وفق القانون الدولي.

كما أن خلق ظروف معيشية غير قابلة للاستمرار، ثم فتح باب “المغادرة الاختيارية”، يُنظر إليه باعتباره شكلًا من أشكال التهجير غير المباشر.

إدارة رسمية للتهجير

التحول الأخطر في الملف هو انتقال الفكرة من مستوى التصريحات السياسية إلى بنية مؤسساتية داخل الدولة الإسرائيلية.

فمنذ مارس 2025، أنشأت إسرائيل “إدارة الهجرة الطوعية” داخل وزارة الدفاع بعد قرار من الكابينت الأمني، بهدف تنظيم وتسهيل خروج سكان غزة إلى دول ثالثة، عبر ترتيبات لوجستية تشمل النقل البري والبحري والجوي.

وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن هذه الإدارة تعمل على:
– التنسيق مع دول محتملة لاستقبال مهاجرين من غزة
– إعداد ممرات خروج وسفر
– وضع آليات قانونية وإدارية للهجرة
– تسويق المشروع باعتباره “حلًا إنسانيًا”

لكن ما يحدث فعليًا، بحسب منتقدي الخطة، هو محاولة لإضفاء طابع قانوني وبيروقراطي على مشروع تغيير ديموغرافي واسع.

الحرب كوسيلة ضغط

عمليًا، لا تتحدث إسرائيل عن عمليات ترحيل جماعي مباشر، لكنها تبدو وكأنها تراهن على معادلة مختلفة:

جعل الحياة في غزة مستحيلة بما يكفي لدفع السكان إلى الرحيل “طوعًا”.

فمنذ اندلاع الحرب بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، تعرض القطاع لدمار هائل طال المنازل والمستشفيات والبنية التحتية وشبكات المياه والكهرباء، بينما يعيش السكان تحت حصار خانق ونقص حاد في الغذاء والدواء.

ومنذ هدنة أكتوبر 2025، قُتل أكثر من 900 فلسطيني في غارات وإطلاق نار إسرائيلي، وفق بيانات وزارة الصحة في غزة وتقارير دولية، ما يعكس هشاشة الهدنة واستمرار الضغط العسكري.

وفي الوقت نفسه، تطرح إسرائيل مشاريع مثل “المدينة الإنسانية” في رفح، وهي فكرة تقول إنها تهدف إلى تجميع السكان داخل مناطق تخضع لرقابة أمنية مشددة، بينما هي في الحقيقة نموذج لعزل السكان ودفعهم تدريجيًا نحو الهجرة.

تعثر مفاوضات السلاح

إعادة طرح الخطة تأتي أيضًا بالتزامن مع تعثر المفاوضات المتعلقة بمستقبل غزة بعد الحرب.

إسرائيل تصر على نزع سلاح حركة حماس وإنهاء حكمها بالكامل قبل أي انسحاب واسع من القطاع، بينما ترى الحركة أن تسليم السلاح دون ضمانات سياسية يعني عمليًا إنهاء وجودها.

ومع تعثر هذا المسار، يبدو أن بعض دوائر صنع القرار في إسرائيل باتت تنظر إلى “تقليص الكثافة السكانية” في غزة باعتباره جزءًا من الحل الأمني طويل المدى.

ترمب و”ريفييرا غزة”

الخطة الإسرائيلية تتقاطع أيضًا مع الطرح الذي ارتبط بالرئيس الأميركي دونالد ترمب مطلع 2025، عندما جرى الحديث عن إعادة تطوير غزة كمشروع اقتصادي وسياحي ضخم يشبه “ريفييرا الشرق الأوسط”.

ورغم أن الإدارة الأميركية نفت لاحقًا دعم أي تهجير قسري، وركزت على فكرة “من يرغب في المغادرة”، فإن إسرائيل لا تزال تعتبر أن مشروع “الهجرة الطوعية” يتماشى مع رؤية ترمب للقطاع بعد الحرب.

“خط أحمر”

القاهرة لا تنظر إلى قضية التهجير باعتبارها مجرد ملف إنساني أو سياسي، بل كقضية تمس مباشرة الأمن القومي المصري.

ومنذ بداية الحرب، أعلنت مصر بشكل واضح ومتكرر أن تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء يمثل “خطًا أحمر”، سواء تم بصورة قسرية مباشرة أو تحت مسمى “الهجرة الطوعية”.

وترى الدولة المصرية أن أي محاولة لتفريغ القطاع من سكانه تعني عمليًا تصفية القضية الفلسطينية، ونقل الصراع إلى الحدود المصرية، بما يحمله ذلك من تداعيات أمنية وسياسية واستراتيجية خطيرة.

ولهذا السبب، تعاملت القاهرة بحساسية شديدة مع كل الطروحات الإسرائيلية والأميركية التي تضمنت حديثًا عن “إعادة توطين” أو “ممرات إنسانية” أو “خروج مؤقت” لسكان غزة.

مصر تحذر من أن استمرار تدمير القطاع وتحويله إلى منطقة غير قابلة للحياة قد يُستخدم كوسيلة لفرض “هجرة قسرية مقنّعة” تحت اسم “الانتقال الطوعي”.

وتدرك القاهرة أن قبول أي موجة نزوح واسعة، حتى لو قُدمت باعتبارها “طوعية”، قد يفتح الباب أمام تغيير ديموغرافي دائم يصعب التراجع عنه لاحقًا.

ولهذا، فإن الإصرار الإسرائيلي على المضي في مشاريع مثل “الهجرة الطوعية” أو “المدينة الإنسانية” قد يقود إلى توتر غير مسبوق في العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، خاصة إذا شعرت مصر بأن هناك محاولة فعلية لفرض الأمر الواقع على حدودها الشرقية.

هل تنجح الخطة؟

رغم الكارثة الإنسانية داخل غزة، فإن تنفيذ خطة واسعة للهجرة يواجه عقبات كبيرة:
– الرفض المصري والأردني والعربي
– غياب دول مستعدة لاستقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين
– المخاطر القانونية الدولية
– تمسك قطاعات واسعة من الفلسطينيين بالبقاء داخل أرضهم رغم الحرب

وحتى الآن، تبقى الأرقام الفعلية للهجرة محدودة جدًا مقارنة بالطموح الإسرائيلي.

لكن في المقابل، تبدو إسرائيل وكأنها تراهن على استراتيجية “الاستنزاف طويل الأمد”:

كلما طالت الحرب وتفاقمت الظروف الإنسانية، زاد احتمال أن يختار بعض السكان الرحيل، بحيث يصبح الخروج بالنسبة للبعض خيارًا اضطراريًا لا “طوعيًا”.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية:

فالمسألة لم تعد فقط في تغيير المصطلحات، بل في محاولة إعادة تعريف التهجير نفسه، وتسويقه للعالم باعتباره “خيارًا إنسانيًا”.

لكن يبقى السؤال الأهم:
هل تدرك تل أبيب ثمن الإصرار على هذا المسار خاصة مع دولة تمتلك أكبر وقوى جيوش المنطقة وتعتبر التهجير “خط أحمر “؟