Saturday، 18 April 202611:52 PM
آراء حرة

محمد أبوزيد يكتب : التطبيع باللحية والسواك… أحمد الشرع يزور الكنيست

الأربعاء، 09 يوليو 2025 03:59 مساءً
محمد أبوزيد يكتب : التطبيع باللحية والسواك… أحمد الشرع يزور الكنيست
الكاتب الصحفي محمد أبو زيد
15

في السياسة، لا صدمة تولد من العدم، لكن قليلا ما تهبّ الصدمة من عمامة ، ولحية تغطي نصف الوجه، وسواك يتدلى من الجيب العلوي لقميص رجل لطالما صرخ على المنابر بـ”الموت لأمريكا وإسرائيل”.
ها هو أحمد الشرع، خريج مدرسة الزرقاوي في الفلوجة، وتلميذ الفكر الجهادي ، يسير الآن بخطى حثيثة نحو بوابة الكنيست، لا ليقاتل بل ليصافح.

من ظلال القاعدة إلى أضواء البيت الأبيض، هذه ليست رواية درامية، بل وقائع مرة كتبها أحمد الشرع بيده، حين بدّل وجهته من بغداد إلى دمشق، ومن أحضان أحرار الشام إلى غرف التنسيق الأمني مع الموساد والسي آي إيه ونتنياهو وترامب.

 

رحلة التحول من التوحش إلى البراغماتية

كان الشرع في بداياته من أكثر الأصوات تشددا في تنظيم القاعدة، تشرب أفكار استباحة الدماء ، تتلمذ على يد أبي مصعب الزرقاوي، وتولى لاحقا مهام التعبئة الفكرية في صفوف “أحرار الشام” بعد خروجه من العراق إلى الشمال السوري، حيث أعاد صياغة نفسه كلاعب سياسي، لكن على الطريقة الجهادية.

وحين بدا واضحا أن النصر لن يأتي عبر البندقية، سلّم أحمد الشرع بندقيته ودخل بوابة أنقرة. هناك، في بلاط الرجل الأكثر برجماتية في التاريخ الحديث رجب طيب أردوغان، استنسخ منه الشرع البرحماتية من أوسع أبوابها. تحول من فقيه في فقه الدماء إلى خبير في تكتيكات البقاء، من رجل يحرّم الديمقراطية إلى رئيس يحكم عبر صناديق اقتراع برعاية استخباراتية تركية، ودعم مباشر من السعودية وقطر والإمارات، رغم ما بين هذه الدول من خلافات سياسية عميقة.

عناق مع تل أبيب… بوساطة واشنطن

اليوم، وبعد أن استقر الشرع على كرسي الرئاسة السورية في حقبة ما بعد الأسد، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن لقاء وشيكا سيجمعه ببنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، برعاية مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لم يتردد في وصف الشرع بـ”الرجل الوسيم الذكي الذي يعرف كيف يلعب لعبته”.

تفاصيل اللقاء المعلن تشمل توقيع اتفاقية أمنية بين سوريا الشرع وإسرائيل، كخطوة أولى نحو تطبيع شامل، يفضي في النهاية إلى ما يشبه “السلام الدافئ”. المفاوضات بين الطرفين، بحسب الشرع نفسه، بدأت منذ شهور عبر وسطاء، وربما لم تتوقف منذ سقوط دمشق.

الوجه المتدين… والمضمون المتحول

اللافت أن أحمد الشرع لم يتخلَّ عن مظهره الإسلامي: لا يزال يحتفظ بلحيته الكثيفة، يصلي في المسجد، يمسك السواك، يطبق ظواهر السنة النبوية بدقة. لكنه في الآن ذاته لا يتردد في مد اليد لإسرائيل، ولا في ترك الطائرات الصهيونية تقصف ما تبقى من منشآت سوريا الاستراتيجية دون أن يُسمع له حتى بيان إدانة، تماما كما فعل بشار الأسد.
ولم يخجل أن ينسق بنفسه مع ترامب ونتنياهو في ضرب إيران.

الشرع مثل سلفه بشار الأسد ، لم يلقِ حجرا على إسرائيل، لكن بشار رغم خيانته كان يدعم المقاومة ،لكن الشرع يتجسس على المقاومة.
كان سيفا مسلولا على رقاب المسلمين في الداخل السوري. تنظيمه السابق “أحرار الشام” وقبله “القاعدة” لم يسجل لهما معركة واحدة ضد الاحتلال الصهيوني ، في حين امتلأت دفاترهم بالدماء التي سالت في الأسواق والمساجد والمستشفيات.

غزة؟ لا تعنيهم. أكثر من 60 ألف شهيد فلسطيني سقطوا في غزة خلال عامين من الإبادة الصهيونية، دون أن يصدر عن أحمد الشرع كلمة أو موقف. تلك غزة التي قُصفت على مدار 700 يوم، لم يحرّك الشرع فيها إصبعا، لكنه فتح أجواءه لطائرات العدو

براغماتية أم خيانة؟

بعض المدافعين عن الشرع يزعمون أنه “مضطر” وأنه “يهادن اليوم ليقاتل غدا”، وأن “التحالف مع إسرائيل تكتيك مرحلي”، في انتظار ساعة صفر كبرى. لكن العقل والمنطق يفضحان هذه الرواية الطفولية.

هل من يوقع اتفاقية أمنية مع تل أبيب يعد “أسدا نائما”؟ هل من يتآمر على إيران في حرب إسرائيلية ويصمت عن قصف دمشق يبشر بمقاومة قادمة؟ الحقيقة أن الشرع لم يهادن، بل سلّم، لم يخطط، بل استسلم، ولم يقاوم، بل تحول إلى جزء من المعسكر الذي كان يوما يكفره.

أول ملتحٍ يطبع رسميا

إذا تم اللقاء المرتقب مع نتنياهو، فإن أحمد الشرع سيدخل التاريخ من باب مقلوب: أول إسلامي ملتحٍ، متمسك بسنن السواك والوضوء، يضع توقيعه على ورقة تطبيع مع الكيان الصهيوني. لا نتحدث عن علماني أو أمير أو جنرال، بل عن رجل كان قبل أعوام يحرّم حتى التحالف مع الصليب الأحمر.

سيوقع على اتفاق ينهي القضية الفلسطينية عمليا، ويعترف بسيادة إسرائيل على الجولان، ضمن ما يعرف بالاتفاق الإبراهيمي الذي يسعى إلى دمج الديانات الثلاث في “عقيدة واحدة”، وهي بدعة رفضها الأزهر الشريف، وأعلنت مصر موقفا حاسما ضدها.في حين يحتضن الدين الجديد ويبشر به ترامب ونتنياهو وعواصم خليجية

احتضان خليجي وتناقض قاتل

الغريب في الأمر، أن أحمد الشرع أصبح محبوبا لدى الرياض والدوحة وأبو ظبي، رغم اختلاف أجنداتها. فالكل وجد فيه “الحل المثالي”: سني، إسلامي المظهر، لا يعادي إسرائيل، ويقف على الحياد من إيران، ويؤمن بالسوق الحرة. إنه النسخة المعدلة من الإخوان، بعباءة إماراتية وسبحة سعودية ونقود قطرية ورعاية تركية .

أما أستاذه أردوغان، فقد علمه أن البراغماتية لا حدود لها. أن بوسعك أن تشتم إسرائيل في الصباح، وتوقع معها اتفاقا في المساء. أن تذرف دموعك على الأقصى في الجمعة، ثم تستقبل سفير تل أبيب في الأحد.

السواك لا يغفر الخيانة

التطبيع باللحية والسواك ليس مشهدا هزليا، بل هو نذير زمن جديد، تختلط فيه الشعارات الدينية بالخضوع الكامل لمصالح الاحتلال. أحمد الشرع، الذي لم يحرر شبرا، يستعد لأن يكون أول رئيس عربي يطبع وهو في هيئة المتدين، وهذا هو مكمن الكارثة.

لأنك حين ترى لحية تغطي وجه رجل يهادن الاحتلال، تدرك أن القيم التي حملها لم تكن سوى ستار لمشروع آخر، مشروع هش، أجوف، لا يرى في إسرائيل عدوا، بل شريكا في بناء شرق أوسط جديد… بلا غزة، بلا مقاومة، وبلا كرامة.

أحمد الشرع لم يبع القضية، بل طواها، وضعها في جيب جلبابه بجانب السواك، ومضى.