
أشاد الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، بكلمة الرئيس السيسي اليوم التي جاءت على هامش منتدى العلمين أمام رئيس الاتحاد الأفريقي، مؤكدا أنها تُجسّد بدقة المبدأين الجوهريين اللذين يرسيهما القانون الدولي للمجاري المائية وهما مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول الذي يستوجب مراعاة مصالح جميع دول الحوض ومبدأ عدم الإضرار الجسيم المنصوص عليه في المادة السابعة من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997.
واضاف أن تأكيد الرئيس على أن حقوق مصر المائية قضية وجودية لا تقبل التفاوض ورفضه توظيف ملف المياه لتحقيق مكاسب سياسية يُعبّر عن التزام قانوني دولي حقيقي وليس مجرد موقف سياسي لأن الدولة التي تطالب بحقوقها وفق مبادئ القانون الدولي وترفض في الوقت ذاته توظيفها ورقة ابتزاز تقف على أرضية قانونية وأخلاقية أمتن بكثير من الدولة التي تُعلن السيادة المطلقة على نهر دولي مشترك.
ورأى الدكتور مهران أن استحضار وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إيتيفا السد العالي المصري في الدفاع عن سد النهضة ومقارنة الاثنين بذريعة أن مصر بنت سدها دون موافقة إثيوبيا وأن المشروع تسبب في اضطرابات اجتماعية واسعة هي حجة قانونية معكوسة تُسقطها حقيقة واحدة جوهرية لا تقبل الجدل وهي أن السد العالي بُني على أرض مصرية بمياه تجري داخل الحدود المصرية بينما سد النهضة بُني على النيل الأزرق بنهر دولي مشترك يُعدّ الشريان المائي الوحيد لمئة مليون مصري والفارق بين الاثنين هو الفارق بين حق الدولة في تطوير مواردها داخل أراضيها وحق الدولة في التصرف أحادياً في مورد مشترك بين عدة دول.
وقال الدكتور مهران، أن الحجة الإثيوبية تنهار أمام أربعة حقائق قانونية وتاريخية ثابتة، الأولى أن السد العالي أُنشئ خلال الخمسينيات والستينيات حين لم يكن القانون الدولي للمجاري المائية قد أرسى بعد منظومة الإخطار المسبق والتشاور الإلزامي التي صدرت مع اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بينما بنت إثيوبيا سد النهضة عام 2011 بعد أن باتت هذه المنظومة القانونية قائمة وراسخة وملزمة كقانون عرفي دولي.
وتابع: والثانية أن السد العالي بُني داخل الأراضي المصرية في أقصى المصب بعد أن استنفدت دول الحوض كافة استخداماتها، ولا يحجز قطرة ماء واحدة عن دول المنبع، وعلى رافد لا يُغذّي أراضي إثيوبيا في حين أن سد النهضة بُني على النيل الأزرق الذي يُسهم بخمسة وثمانين بالمئة من إيراد النيل الواصل لمصر والسودان وهذا فارق جغرافي وهيدرولوجي جوهري، والثالثة أن مصر وقّعت مع إثيوبيا والسودان إعلان المبادئ عام 2015 وأعلنت التزامها بالتفاوض الجاد في حين أن إثيوبيا أجرت خمسة ملءات متتالية دون التوصل لاتفاق ملزم، والرابعة أن ذكر اضطرابات النوبيين الاجتماعية لا يُقوي الحجة الإثيوبية بل يُضعفها لأن مصر تحمّلت هذا الثمن على أراضيها الخاصة لا على حساب دول أخرى بينما إثيوبيا تُكلّف دولتَي المصب ثمناً مائياً لم تستشرهما فيه.
وأشار الدكتور مهران إلى أن الخارجية المصرية ردّت على التصريحات الإثيوبية الأخيرة بعبارة هي والعدم سواء وهو رد دبلوماسي بليغ يقول إن مصر تثق في موقفها القانوني ثقة تجعل الحجج المعاكسة لا تستحق الرد المطوّل وأن القانون الدولي الذي تستند إليه القاهرة يحتاج إلى تطبيق لا إلى دفاع.
وطالب الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية المجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي بالتحرك الفوري والحازم إزاء هذا الملف مؤكداً أن الأمر لم يعد خلافاً مائياً ثنائياً بل بات يمس الأمن والسلم الدوليين بمفهومهما الموسّع الذي يشمل الأمن البيئي والمائي الذي باتت تعترف به قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وثيقتا برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومؤتمرات المناخ الدولية المتعاقبة، مشيراً إلى أن الاتحاد الأفريقي مدعوٌّ اليوم قبل الغد لأن يُجسّد حياده الإيجابي بموقف عادل لا يُكافئ الطرف المُصعِّد على حساب الطرف الملتزم بالمسار القانوني.
واعتبر مهران أن أي صمت أفريقي في هذه اللحظة سيُفهم حتماً تأييداً ضمنياً لمنطق فرض الأمر الواقع الذي إن نجح على النيل انتشر كنموذج في كل نهر دولي مشترك على القارة، مؤكداً في ختام تصريحاته أن مصر التي تستنفد كل الوسائل الدبلوماسية والقانونية السلمية المتاحة تمتلك في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة حقاً صريحاً في الدفاع الشرعي عن أمنها الوجودي نظرا لأن التدفقات المائية باتت تُستخدم أداةً للضغط الممنهج وأن هذا الحق ليس تهديداً بل توثيقاً قانونياً لحدود الصبر الذي لا يعني الاستسلام.





