
يتابع حزب الوعي بقلق قرار زيادة أسعار الكهرباء للاستخدام المنزلي بمتوسط 12%، مع تثبيت الشريحة الأولى فقط، وتطبيق التعريفة الجديدة بدءًا من فاتورة أغسطس التي تعكس استهلاك شهر يوليو.
وإذ يدرك الحزب ما تواجهه منظومة الكهرباء من ارتفاع في تكاليف الوقود والإنتاج والنقل والتوزيع، وما تفرضه التطورات الإقليمية من أعباء إضافية على فاتورة الطاقة، فإنه يرى أن تقييم القرار لا يجوز أن يتوقف عند احتياجات قطاع الكهرباء وحده، بل يجب أن يمتد إلى توقيته، وطريقة تطبيقه، وأثره في مستويات المعيشة، وموقعه من التوجه الاقتصادي العام للدولة.
فالزيادة الجديدة لا تقتصر على أصحاب الاستهلاك المرتفع، وإنما تشمل جميع شرائح الاستهلاك المنزلي باستثناء الشريحة الأولى. وهذا يعني أن أثرها سيمتد إلى قطاعات واسعة من الأسر، بما فيها الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، في وقت لا يزال فيه معدل التضخم السنوي مرتفعًا؛ إذ بلغ 14.3% في يونيو 2026، بعد 14.6% في مايو و14.9% في أبريل.
ولا يعني التراجع النسبي في معدل التضخم أن الأسعار انخفضت أو أن الأسر استعادت ما فقدته من قدرتها الشرائية، وإنما يعني فقط أن الأسعار ما زالت ترتفع، وإن كان بمعدل أقل من بعض الشهور السابقة. ومن ثم تأتي زيادة الكهرباء فوق مستوى سعري مرتفع بالفعل، وبعد سنوات تعرضت خلالها الدخول الحقيقية والمدخرات لضغوط متتالية.
ويتمثل الأثر الأول للقرار في الزيادة المباشرة في فواتير الأسر، خاصة خلال شهور الصيف التي يرتفع فيها الاستهلاك لأسباب ترتبط بدرجات الحرارة المرتفعة، ولا يمكن اعتبارها في جميع الأحوال استهلاكًا ترفيًّا. كما قد يمتد الأثر بصورة غير مباشرة إلى أسعار عدد من السلع والخدمات، إذا انعكست تكاليف الطاقة على الأنشطة التجارية والخدمية والإنتاجية المرتبطة بحياة المواطنين في خطوة تالية.
ويتحفظ الحزب كذلك على إعلان التعريفة في نهاية يوليو، مع تطبيقها على فاتورة أغسطس التي تحاسب استهلاك يوليو. فوضوح السياسة يقتضي إعلان السعر قبل فترة الاستهلاك، حتى يعرف المواطن تكلفة قراراته ويستطيع تعديل نمط استهلاكه، لا أن يفاجأ بسعر جديد بعد تحقق الاستهلاك أو مع اقتراب انتهاء مدته.
ويثير القرار أيضًا قضية أوسع تتعلق بنمط الإصلاح الاقتصادي المتبع. فقد أصبحت زيادة أسعار السلع والخدمات العامة وتقليص الدعم ورفع الرسوم من أكثر أدوات التصحيح حضورًا وسرعة، بينما لا يظهر بالوضوح والوتيرة نفسيهما مسار متكامل لتوسيع الطاقة الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار الخاص المنتج، وزيادة الصادرات، ورفع الإنتاجية، وخلق فرص عمل جيدة، وتحقيق معدلات نمو تنعكس فعليًا في دخول المواطنين ومستويات معيشتهم.
ولا يعترض الحزب من حيث المبدأ على مراجعة الأسعار التي لم تعد تعكس التكلفة، أو على تحسين الكفاءة المالية للهيئات الاقتصادية ومرافق الخدمات العامة. لكنه يؤكد أن الإصلاح الهيكلي لا يمكن اختزاله في تصحيح أسعار عدد محدود من السلع والخدمات المدعمة، خاصة أن ما تحققه هذه الإجراءات من وفر مالي يظل محدودًا مقارنة بحجم الإنفاق العام والاختلالات الهيكلية الأوسع.
فالإصلاح الحقيقي يجب أن يعمل على جانبي المالية العامة معًا: ترشيد الإنفاق ورفع كفاءته من ناحية، وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي والإنتاج والدخل والإيرادات المستدامة من ناحية أخرى. أما الاعتماد المتكرر على زيادة الأسعار والرسوم التي تتحملها الأسر، فهو قد يوفر موارد أسرع في الأجل القصير، لكنه يضغط على الاستهلاك ومستويات المعيشة، وقد يؤدي إلى إضعاف الطلب المحلي والنشاط الاقتصادي، بما يحد من بعض العوائد المستهدفة من الإصلاح نفسه.
ومن هذا المنطلق، يطالب حزب الوعي الحكومة بما يلي:
1. عدم تطبيق أي زيادة على استهلاك تم قبل إعلان التعريفة الجديدة، احترامًا للشفافية وحق المواطن في معرفة السعر قبل اتخاذ قرار الاستهلاك.
2. إتاحة بيانات تفصيلية ومدققة عن مكونات تكلفة إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، وحجم الفاقد الفني والتجاري، ومدى مساهمة تحسين الكفاءة والتحصيل في تخفيض العجز، حتى لا يصبح رفع التعريفة الأداة الرئيسية لمعالجة الاختلالات المالية الناتجة عن ضعف كفاءة القطاع.
3. توضيح الأثر المالي المتوقع للقرار، وكيف ستُستخدم موارده في تحسين كفاءة قطاع الكهرباء وتقليل الفاقد الفني والتجاري، بدلًا من الاكتفاء بتحميل المستهلك ارتفاع التكلفة.
4. تقديم حزمة حماية واضحة للأسر محدودة ومتوسطة الدخل، ترتبط بتطور تكلفة المعيشة ولا تقتصر على الشريحة الأولى شديدة الانخفاض في الاستهلاك.
5. إعلان برنامج اقتصادي متكامل يبين كيف ستتزامن إجراءات تصحيح الأسعار مع سياسات ملموسة لزيادة الإنتاج والاستثمار والصادرات وفرص العمل والأجور الحقيقية.
ويؤكد حزب الوعي أن استدامة المالية العامة واستدامة قطاع الكهرباء هدفان مهمان، لكن تحقيقهما لا ينبغي أن ينفصل عن استدامة قدرة الأسر على تحمل أعباء الحياة. فنجاح الإصلاح لا يقاس فقط بما توفره الدولة من موارد أو بما تخفضه من دعم، وإنما أيضًا بقدرته على حماية المجتمع، وتوسيع طاقته الإنتاجية، وتحسين مستويات المعيشة، وتوزيع أعباء التصحيح بصورة عادلة.





