الاثنين، ١ يونيو ٢٠٢٦١٠:٠٦ م
آراء حرة

عبدالله عرجون يكتب: الحركة المدنية.. بضاعة أتلفها الهوى

الجمعة، 01 مايو 2026 12:37 مساءً
عبدالله عرجون يكتب: الحركة المدنية.. بضاعة أتلفها الهوى
الكاتب الصحفي عبدالله عرجون – رئيس تحرير موقع سياسة بوست
15

في عالم السياسة، هناك أخطاء يمكن تجاوزها، وزلات يمكن تبريرها، ومواقف يمكن تفسيرها باختلاف وجهات النظر، لكن هناك لحظات نادرة تتحول فيها البيانات السياسية إلى وثائق إدانة لأصحابها، ليس بسبب ما قالته فحسب، بل بسبب ما كشفته من أولويات وانحيازات وحقائق ظلت لسنوات حبيسة الخطاب المنمق والشعارات البراقة، من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى بيان الحركة المدنية الديمقراطية الأخير باعتباره مجرد خطأ في التقدير أو سقطة في الصياغة، بل باعتباره لحظة انكشاف سياسي كشفت حجم التناقض بين الخطاب والممارسة، وأزاحت الستار عن أزمة عميقة تتعلق بالهوية والاتجاه والأولويات، أما الاعتذار الذي أعقب البيان، فلم ينجح في احتواء التداعيات بقدر ما عزز الانطباع بأن الحركة وجدت نفسها أمام عاصفة من الغضب كشفت ما كان يُدار في الظل أكثر مما كشفت ما كُتب في البيان نفسه.

ما حدث أن الحركة المدنية وجدت نفسها فجأة أمام مرآة صادمة، مرآة أظهرت للجمهور ما حاولت الحركة طويلًا إخفاءه خلف عبارات الدفاع عن الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية، فعندما تعلق الأمر بقضية تمس أحد رموزها، هرعت الحركة إلى ساحة المعركة بكل ثقلها السياسي والإعلامي، بينما لم يظهر الحماس ذاته في عشرات الملفات التي تمس ملايين المواطنين بشكل يومي.

فعندما تضطر حركة سياسية إلى سحب بيان كامل والاعتذار عنه تحت ضغط الانتقادات، فإن الأزمة لا تكون في الكلمات وحدها، بل في العقل السياسي الذي أنتج تلك الكلمات، وفي المنظومة الفكرية التي سمحت بخروج مثل هذا الخطاب إلى الرأي العام، فالبيانات السياسية لا تُقاس فقط بما تقوله، وإنما بما تعكسه من أولويات وما تكشفه من انحيازات.

اللافت في بيان الاعتذار أن الحركة حاولت تقديم الأزمة باعتبارها مشكلة صياغة أو سوء فهم، وأن جوهر الأزمة أعمق بكثير من ذلك، فالغضب الذي واجهته الحركة لم يكن بسبب تركيب جملة أو اختيار مفردة، وإنما بسبب الانطباع الذي ترسخ لدى قطاع واسع من الرأي العام بأن الحركة وجدت نفسها منخرطة في الدفاع عن قضية مرتبطة بأحد رموزها، في وقت ينتظر منها المواطنون الانشغال بالقضايا التي تمس ملايين المصريين بصورة مباشرة.

ومن هنا جاءت الانتقادات الحادة التي اعتبرت أن الحركة، التي طالما قدمت نفسها باعتبارها مدافعًا عن الحقوق العامة والحريات والقضايا الوطنية الكبرى، بدت وكأنها تضع ثقلها السياسي والإعلامي في معركة تخص أحد أصحاب النفوذ أو الشخصيات البارزة، بينما تتراجع قضايا المواطن العادي إلى الصفوف الخلفية.

وإذا كانت الحركة قد أكدت في بيانها أن قضية المهندس أكمل قرطام قضية قانونية بالأساس، وأنها قررت سحب البيان السابق، فإن السؤال الذي بقي حاضرًا بقوة هو: لماذا صدر البيان من الأساس؟ وكيف جرى تمريره داخل كيان سياسي يعلن أن أولويته الدفاع عن المواطنين وقضاياهم العامة؟.

إن الأزمة الحقيقية التي كشفها بيان الاعتذار لا تتعلق بقضية بعينها، بل بصورة الحركة المدنية نفسها، فالقوى السياسية تكتسب شرعيتها المعنوية من قدرتها على التعبير عن هموم الناس، وليس من قدرتها على الدفاع عن شخصيات نافذة أو رموز سياسية مهما كانت مكانتها، وحين يشعر المواطن أن هناك فجوة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية.

ولعل أخطر ما كشفته الأزمة هو حجم الفجوة التي باتت تفصل بعض النخب السياسية عن الشارع الحقيقي، ذلك الشارع الذي لا تشغل باله قصور النخبة ولا نزاعاتها الخاصة، بل تشغله لقمة العيش، وفرص العمل، وارتفاع الأسعار، والخدمات العامة، ومستقبل أبنائه، وعندما يجد المواطن أن من يدّعون تمثيله أكثر انشغالًا بمعارك الرموز من معارك الناس، فإن الثقة تبدأ في التآكل، وربما الانهيار.

فالحركة المدنية بدت، ولو للحظة، وكأنها تعاني من ارتباك في ترتيب الأولويات، فالقوى السياسية التي تسعى إلى اكتساب ثقة الشارع لا تملك ترف الخلط بين القضايا الوطنية الكبرى والقضايا المرتبطة برموزها أو قياداتها، وحين يحدث هذا الخلط، فإن الثمن لا يكون مجرد انتقادات عابرة، بل تآكل تدريجي في رصيد الثقة الذي يمثل رأس المال الحقيقي لأي قوة سياسية.

إن القوى السياسية لا تُحاسب على نواياها المعلنة، بل على اختياراتها الفعلية، والتاريخ السياسي مليء بكيانات رفعت شعارات كبرى عن العدالة والحرية والديمقراطية، لكنها فقدت تأثيرها عندما ابتعدت عن نبض الشارع وانشغلت بصراعات النخب وحساباتها الخاصة، وما يثير القلق أن الحركة المدنية تبدو اليوم وكأنها تسير على الطريق ذاته، طريق الابتعاد التدريجي عن المواطن والاقتراب المتزايد من دوائرها المغلقة.

ومن هنا أرى أن الحركة المدنية وما جرى لم يكن مجرد خطأ سياسي، بل لحظة كاشفة لمسار كامل من الابتعاد عن نبض الشارع والانشغال بحسابات النخبة، فالقوة السياسية التي تفقد ارتباطها بالناس وتبتعد عن قضاياهم الجوهرية، تتحول مع الوقت إلى كيان فاقد للتأثير والصدقية، وتصبح في نظر كثيرين مجرد “بضاعة أتلفها الهوى”، فقدت قيمتها السياسية بعدما فقدت قدرتها على التعبير الحقيقي عن الوطن والمواطن.