Monday، 25 May 202601:39 PM
آراء حرة

اللواء د. رضا فرحات يكتب .. بين الاتفاق والضربة: هل تقترب التسوية أم تعود المواجهة؟

الإثنين، 25 مايو 2026 10:59 صباحًا
اللواء د. رضا فرحات يكتب .. بين الاتفاق والضربة: هل تقترب التسوية أم تعود المواجهة؟
د. رضا فرحات
15

في الأيام الأخيرة، وبينما كنت أتابع نشرات الأخبار المتلاحقة والتقارير القادمة من واشنطن وطهران، توقفت أمام سؤال يتكرر على ألسنة كثيرين: هل تتجه الولايات المتحدة وإيران فعلا نحو اتفاق جديد؟ أم أن المنطقة تسير مرة أخرى إلى مواجهة عسكرية مفتوحة؟

 

هذا السؤال لا يبدو سياسيا فقط، بل أصبح حاضرا في حديث الناس العاديين، في المقاهي، وفي الأسواق، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي لأن ما يجري بين واشنطن وطهران لم يعد شأنا يخص دولتين بل بات ملفا يرتبط مباشرة باستقرار الشرق الأوسط كله، وبمستقبل الأمن والطاقة والاقتصاد في المنطقة.

 

والحقيقة أن المشهد يبدو معقدا إلى درجة تسمح بكل الاحتمالات، على مستوى الخطاب السياسي المعلن، هناك حديث متكرر عن التفاوض، وفتح قنوات اتصال، والسعي إلى تفاهمات جديدة حول البرنامج النووي الإيراني، وملفات التهدئة الإقليمية، ومستقبل العقوبات الاقتصادية وفي المقابل، لا يغيب التصعيد العسكري عن الصورة؛ سواء عبر التحركات الأمريكية في المنطقة، أو رسائل الردع المتبادلة، أو الضربات غير المباشرة التي تتكرر بين حين وآخر في أكثر من ساحة.

 

وهنا تبدو المفارقة واضحة؛ التفاوض مستمر، لكن التوتر مستمر أيضا، لغة الحوار قائمة، لكن لغة القوة لم تغادر المشهد.

 

من يقرأ العلاقات الأمريكية الإيرانية خلال العقود الماضية يدرك أن هذه ليست المرة الأولى التي يتحرك فيها الطرفان بين حافة الحرب وطاولة التفاوض في الوقت نفسه، العلاقة بينهما لم تكن يوما علاقة قطيعة كاملة، كما لم تكن طريقا مفتوحا نحو التسوية النهائية بل هي حالة ممتدة من إدارة الصراع، لا حسم الصراع.

 

أحيانا تقترب المسافة بين الطرفين حتى تبدو التسوية ممكنة، ثم تعود فجأة للتراجع بفعل حادث أمني، أو ضربة عسكرية، أو تغير سياسي داخلي في أي من البلدين.

 

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل يريد الطرفان الاتفاق؟ والسؤال الأهم هو: هل تسمح الظروف الحالية باتفاق قابل للحياة؟

 

الإجابة هنا أكثر تعقيدا.

 

إيران تواجه ضغوطا اقتصادية هائلة بعد الضربات الأمريكية ومن قبلها العقوبات الاقتصادية، وتحتاج إلى متنفس اقتصادي وسياسي يخفف من وطأة الأزمة الداخلية ، والولايات المتحدة من جانبها تدرك أن استمرار التصعيد المفتوح في الشرق الأوسط يضيف أعباء جديدة إلى ملفات دولية مشتعلة بالفعل، سواء في أوروبا أو آسيا، فضلا عن تأثير أي مواجهة جديدة على أسواق الطاقة العالمية.

 

لكن في الوقت نفسه، هناك داخل كل طرف قوى لا تنظر إلى الاتفاق باعتباره الخيار الأفضل.

 

داخل الولايات المتحدة توجد دوائر تعتبر أن الضغط على إيران يجب أن يستمر، وأن أي تسوية قد تمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب نفوذها الإقليمي، وداخل إيران أيضا توجد تيارات ترى أن واشنطن لا يمكن الوثوق بها، وأن تجربة الاتفاق النووي السابق ثم الانسحاب الأمريكي منه جعلت الثقة السياسية شبه معدومة، ولهذا يبدو المشهد الحالي أشبه بمفاوضات تجري فوق أرض شديدة الهشاشة.

 

أما احتمال الضربة العسكرية، فهو احتمال قائم دائما، لكنه ليس بالبساطة التي قد تبدو في العناوين العاجلة، والضربة الأمريكية التي يهدد بها ترامب لن تكون مجرد عملية عسكرية محدودة، بل قد تفتح الباب أمام سلسلة من ردود الفعل الإقليمية الواسعة، وربما إلى ساحات أخرى في المنطقة.

 

ولهذا فإن قرار الحرب ليس قرارا سهلا، كما أن قرار الاتفاق ليس قرارا سهلا أيضا وربما لهذا السبب تحديدا نعيش اليوم داخل المنطقة الرمادية بين الاحتمالين؛ لا اتفاق مكتمل، ولا مواجهة شاملة.

 

الشرق الأوسط كله يقف الآن في لحظة ترقب سياسي حاد، حيث يمكن لتصريح واحد أن يفتح باب التهدئة، ويمكن لحادث ميداني واحد أن يعيد المنطقة إلى مربع التصعيد.

 

من وجهة نظري، فإن السيناريو الأقرب خلال المرحلة المقبلة ليس اتفاقا نهائيا شاملا، وليس حربا مفتوحة مباشرة، وإنما استمرار سياسة “الضغط المتبادل تحت سقف محسوب”بمعنى استمرار التفاوض من جهة، مع الإبقاء على أدوات الردع والضغط من جهة أخرى.

 

وقد نشهد تفاهمات جزئية أو مؤقتة، وربما ترتيبات مرحلية مرتبطة بالملف النووي أو تبادل الرسائل الأمنية أو تخفيف محدود للعقوبات، لكن الوصول إلى اتفاق استراتيجي شامل لا يزال يحتاج إلى ظروف أكثر استقرارا وثقة متبادلة غير متوافرة بالكامل حتى الآن.

 

وفي المقابل، يبقى خطر الانفجار قائما إذا خرجت أي من الرسائل العسكرية أو السياسية عن السيطرة ولهذا فإن السؤال المطروح اليوم ليس فقط: هل ستوقع إيران وأمريكا اتفاقا؟ أم: هل ستتعرض إيران لضربة جديدة؟ بل السؤال الأهم هو: هل تنجح القوى الدولية والإقليمية في منع المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة لا يريدها الجميع… لكن الجميع يتهيأ لها؟

 

الأيام المقبلة وحدها ستكشف الإجابة، ولكن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف مرة أخرى أمام لحظة فارقة، قد تقوده إلى تسوية مؤجلة… أو إلى تصعيد لا يمكن احتواء نتائجه بسهولة.