Wednesday، 04 March 202602:00 PM
آراء حرة

اللواء الدكتور رضا فرحات يكتب: ثورة 30 يونيو.. صحوة أمة وبداية عهد جديد

الإثنين، 30 يونيو 2025 04:39 صباحًا
اللواء الدكتور رضا فرحات يكتب: ثورة 30 يونيو.. صحوة أمة وبداية عهد جديد
اللواء الدكتور رضا فرحات – محافظ الإسكندرية الأسبق – أستاذ العلوم السياسية
15

في ذاكرة الشعوب، هناك لحظات لا تمر مرور العابرين، بل تنحت في الوجدان علامات خالدة، تحفر في مسار التاريخ مجرى جديدا من الأمل والكرامة ، هكذا كانت ثورة الثلاثين من يونيو 2013، فهي ليست مجرد يوم عادي، بل صفحة فاصلة، كتبتها جماهير المصريين بأقدامها قبل أقلام المؤرخين، واستردت بها الروح من قبضة التيه، و أعادت بناء الدولة على قواعد راسخة من الهوية، والانتماء، والسيادة الوطنية.

لقد كانت تلك الثورة، في جوهرها، انتفاضة هوية، و صيحة ضمير، خرج فيها المصريون بالملايين لا طلبا لمكاسب دنيوية، بل طلبا للحياة ذاتها، للحفاظ على كينونة الدولة المصرية، وعلى مدنيتها الممتدة عبر سبعة آلاف عام، التي كادت أن تذوب بين أصابع جماعة لم تؤمن يوما بمفهوم الوطن، ولا فهمت معنى الانتماء، بل تعاملت مع مصر باعتبارها غنيمة يجب اقتسامها، وموقعا جغرافيا يدار بتكليف من عواصم أخرى.

خرج الشعب في 30 يونيو ليقول كلمته بوضوح: “نحن أصحاب القرار، ونحن من نرسم المستقبل” كانت تلك الصرخة الشعبية أقوى من كل حسابات السياسة و أبجديات التنظيمات؛ فقد أسقطت مشروعا كان يستهدف تفريغ الدولة من مضمونها، ومحو الشخصية المصرية من ملامحها الحضارية.

لقد استعدنا الدولة، لا السلطة فحسب فشتان بين أن تطالب بتغيير سياسي، وبين أن تنتفض لإنقاذ كيان وطن من الانهيار، لقد أدرك المصريون أن الصمت جريمة، وأن الفرجة خيانة، وأن أوطانا كاملة يمكن أن تضيع إن تأخرت الإرادة عن الفعل.

وهكذا عادت الدولة من حافة الاختطاف، وعاد الوطن من ظلام النفق إلى رحابة النور ولعل أعظم ما أنجزته ثورة 30 يونيو أنها استعادت القرار المصري من براثن التبعية، و أعادت تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساس من الشرعية الشعبية، لا على قاعدة الولاء التنظيمي.

ولا يخفى على أحد أن هذه الثورة، التي نادى البعض بتقزيمها أو التشكيك في شعبيتها، أثبتت بمرور الزمن أنها لم تكن لحظة غضب، بل مشروع نهضة، وبعدها انطلقت مصر في معركة بناء شاملة، لا تقل ضراوة عن معركة التحرير وبدأت معالم الجمهورية الجديدة تتشكل: مشروعات قومية، بنية تحتية، نهضة عمرانية، إصلاحات اقتصادية جريئة، وتحديث شامل لمنظومة الدولة.

اقرأ لهؤلاء

ثروت الخرباوي يكتب: 30 يونيو.. اللحظة التي قررت فيها الدولة أن تعود من المنفى

ولكن قبل كل ذلك، كانت استعادة الثقة بين المواطن والدولة فحين يشعر الشعب أن صوته مسموع، وأن كلمته قادرة على إسقاط حكم وبناء وطن، يتولد داخله يقين لا يتزعزع بأن الوطن يستحق، وأن المشاركة ليست رفاهية، بل واجب وطني لا يسقط بالتقادم.

ولعل أبرز تجليات ما بعد 30 يونيو هو العودة القوية للمؤسسات الوطنية إلى قلب المشهد، عادت القوات المسلحة لحماية إرادة الشعب، لا للعب دور سياسي، بل للقيام بدورها التاريخي كصمام أمان للأمن القومي، و عادت الشرطة لتكون في خدمة المواطن، وعاد الإعلام الوطني ليعبر عن ضمير الناس، ويكشف المؤامرات، و ينحاز إلى القيم الجامعة للأمة.

أما على المستوى الإقليمي، فقد أعادت 30 يونيو لمصر مكانتها القيادية، فبينما كانت قوى عديدة تراهن على ضعف الدولة وتفكك مؤسساتها، إذا بمصر تعود أكثر صلابة، أكثر حضورا، وأكثر استقلالا في قرارها وعادت القاهرة لتكون عاصمة القرار العربي، لا عاصمة ردود الفعل.

إن 30 يونيو لم تكن ثورة ضد جماعة، بل ثورة من أجل الوطن، ضد مشروع كامل كان يستهدف تحويل مصر إلى مجرد تابع في مشروع إقليمي مريب، ثورة رفضت أن تتحول الدولة إلى ساحة صراع طائفي أو مذهبي، أو أن تحكم بمنطق الجماعة لا منطق الأمة.

واليوم، وبعد مرور اثني عشر عاما على هذه اللحظة التاريخية، نستطيع أن نقول بكل فخر، إن مصر تجاوزت أخطر لحظات وجودها، وبدأت مسيرة التنمية الحقيقية، بقرار وطني حر، وبقيادة سياسية وضعت مصلحة الدولة فوق كل اعتبار، و بشعب لا يعرف الانكسار.

ويبقى التحدي اليوم، كما كان بالأمس، هو الحفاظ على مكتسبات الثورة، وتحصين المجتمع ضد الأفكار الهدامة، وتعميق ثقافة المشاركة لا الفرجة، والانتماء لا الاصطفاف الزائف، والعمل لا الشعارات.

إن ثورة 30 يونيو ستظل علامة مضيئة في سجل الأمة، ودليلا على أن الشعوب الحية لا تخدع طويلا، وأن مصر لا تختطف، وأن وعي أبنائها هو الدرع الأصدق، و الحصن الأوفى.

إنها ثورة أمة.. لا لحظة انفجار ثورة حافظت على مصر كما نعرفها، وفتحت الباب أمام ما نتمناه فلا نملك اليوم إلا أن نواصل البناء، و نحرس الحلم، و نعلي من قيمة الوطن في نفوس الأجيال القادمة.

عاشت مصر حرة، أبية.. وعاشت ثورة 30 يونيو شعلة لا تنطفئ.

اللواء الدكتور رضا فرحات يكتب: ثورة 30 يونيو.. صحوة أمة وبداية عهد جديد
اللواء الدكتور رضا فرحات يكتب: ثورة 30 يونيو.. صحوة أمة وبداية عهد جديد

اقرأ لهؤلاء