
شهور قليلة تفصلنا عن انطلاق ماراثون الإستحقاقات الإنتخابية التي تعيد رسم ملامح الحياة السياسية، في ظل تطلعات مشروعة نحو برلمان يعكس إرادة الشعب ويعبر عن طموحاته في ظل “الجمهورية الجديدة” ، ليصبح منصة فعالة للتعبير عن تطلعات المواطنين وتنوع رؤاهم، ومراقبة الأداء التنفيذي بروح المسؤولية الوطنية، ومن هذا المنطلق، فإن تطوير النظام الانتخابي بات ضرورة ملحة لضمان عدالة التمثيل، ومشاركة كافة فئات المجتمع، بما في ذلك الشباب والمرأة وذوي الهمم.
إن نجاح أي نظام انتخابي يقاس بقدرته على توسيع دائرة المشاركة، وإتاحة الفرصة لجميع الأصوات، دون تهميش أو إقصاء فلا ديمقراطية حقيقية دون نظام انتخابي يعكس تنوع المجتمع، ويضمن تمثيله العادل، ويفتح نوافذ الأمل أمام الأجيال القادمة لتصوغ مستقبل وطنها بيدها.
لقد أثبتت التجربة أن النظام الانتخابي القائم على الفردي وحده، أو القائمة وحدها، يحمل في طياته جوانب من القصور، فالفردي يمنح فرصا للكفاءات المحلية والقيادات المجتمعية، لكنه قد يقصي الفئات الأقل تنظيميا أو تمثيلا أما القائمة، وإن كانت تعزز من فرص تمثيل النساء والشباب وذوي الهمم والمصريين في الخارج، فإنها قد تخلق فجوة بين النائب والناخب في بعض الحالات.
ومن هنا، يبرز النظام المختلط، الذي يجمع بين الفردي والقائمة بنسب متوازنة، كخيار مثالي في هذه المرحلة المفصلية من تاريخنا السياسي،و اعتماد نسبة 50% للفردي و50% للقائمة المغلقة، لا يعد ترفا تنظيميا، بل ضرورة سياسية لضمان التمثيل المتوازن بين فئات المجتمع المختلفة، ولإعطاء مساحة عادلة لمشاركة الأحزاب والقوى السياسية، وتعزيز ثقافة التنوع والتعددية داخل قبة البرلمان.
ولا يخفى على أحد أن التغيرات الديموغرافية والاجتماعية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة، تحتم علينا إعادة النظر في تقسيم الدوائر الانتخابية، فثمة مناطق باتت تعاني من ضعف التمثيل، وأخرى تثقل بكثافة انتخابية غير متناسبة مع عدد المقاعد المخصصة لها وهو ما يستوجب معالجة هذه التشوهات بنظرة موضوعية تراعي العدالة السكانية والجغرافية والتنموية.
كما أن نزاهة العملية الانتخابية لا تكتمل إلا بضبط قواعد التمويل، ووضع حدود واضحة للإنفاق الانتخابي، وتعزيز الرقابة على مصادر الدعم، ومنع تسلل المال السياسي إلى صناديق الاقتراع، وفي هذا الإطار، لابد أن يتضمن القانون الجديد للانتخابات آليات شفافة لتقديم البيانات المالية من المرشحين، مع تفعيل دور الأجهزة الرقابية، ومؤسسات المجتمع المدني، والإعلام المهني، لضمان انتخابات حرة ونزيهة تعبر بحق عن إرادة الناخبين.
ومن بين القضايا الجوهرية التي ينبغي أن يتناولها القانون المرتقب للانتخابات، مسألة تخفيض سن الترشح لعضوية مجلس النواب، لأن مصر اليوم لا تعاني من ندرة في الكوادر، بل تفيض بالطاقات الشبابية المؤهلة التي تمتلك الرؤية والطموح والخبرة التكنولوجية والعلمية والمطلوب هو أن نتيح لهؤلاء الشباب الفرصة ليتحولوا من متفرجين إلى فاعلين، ومن هامش الحياة السياسية إلى قلبها النابض.
ولعل من أهم الدروس المستفادة من الحوار الوطني، وما جرى داخله من مناقشات عميقة، هو الشعور العام بأن النظام الانتخابي لم يعد قضية فنية أو إجرائية، بل قضية وطنية بامتياز وقد حرصنا خلال مشاركتنا في جلسات الحوار الوطني على طرح رؤى واضحة توازن بين مقتضيات الاستقرار السياسي، ومبادئ العدالة التمثيلية، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية، بما يحقق المصالحة الحقيقية بين المواطن والدولة.
إننا أمام لحظة تاريخية تستوجب شجاعة القرار، ونضج الرؤية، وبعد النظر، فقانون الانتخابات ليس مجرد أداة لتشكيل البرلمان، بل هو إعلان نوايا عن شكل الدولة التي نريدها، ومدى إيماننا بالتعددية، و حرصنا على تداول السلطة، وفتح المجال أمام الأفكار الجديدة والدماء الجديدة.
ولا يمكن الحديث عن قانون انتخابي عادل دون التطرق إلى دور الأحزاب السياسية في إنجاح العملية الديمقراطية، الأحزاب ليست مجرد كيانات انتخابية موسمية، بل هي مدارس لإعداد الكوادر، وصوت للمجتمع، ومختبر للأفكار والسياسات ومن هنا، فإن تعزيز دور الأحزاب ودمجها في النظام الانتخابي يمثل خطوة جوهرية نحو ترسيخ الحياة الحزبية، وتوسيع دائرة التنافس النزيه على أساس البرامج لا الأشخاص كما يجب أن تتحمل هذه الأحزاب، بالتعاون مع الدولة والمجتمع المدني، مسؤولية رفع الوعي السياسي للمواطنين، وتعزيز ثقافة المشاركة، والتصدي لخطاب العزوف واليأس، من أجل بناء نظام سياسي مستدام ومتوازن يعكس تطلعات الشعب في الجمهورية الجديدة.
إن الجمهورية الجديدة لن تكتمل إلا ببرلمان يعكس نبض الشارع، ويحتضن تنوعه، ويؤمن بالحق في الاختلاف، ويؤسس لعقد اجتماعي يقوم على الشفافية، والكفاءة، والعدالة، وبرلمان كهذا لا يولد من فراغ، بل من قانون انتخابي عادل، متوازن، رشيد، ولذلك، فإنني أؤمن، ومعي كثيرون من أبناء هذا الوطن، بأن تطوير قانون الانتخابات يجب أن يكون أولوية وطنية، تتكاتف فيها جهود الأحزاب، والنخب، والمجتمع المدني، والمؤسسات التشريعية والتنفيذية، حتى نصل إلى صيغة ترضى ضمير الأمة، وتحمي مكتسباتها، وتطلق طاقات أبنائها نحو مستقبل أفضل.





