الأحد، 11 أكتوبر 20266:12 مساءً
آراء حرة

نسمة الشاطر تكتب: حين يتحدث الإنسان الآلي.. من يتحمل مسؤولية أخطائه؟

الأحد، 11 أكتوبر 2026 03:10 مساءً
نسمة الشاطر تكتب: حين يتحدث الإنسان الآلي.. من يتحمل مسؤولية أخطائه؟
نسمة الشاطر
15

لم يكن «جيك موفات» يتوقع أن يتحول استفسار بسيط وجهه إلى روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي على موقع شركة طيران كندا إلى قضية قضائية. فبعد وفاة جدته، كان كل ما يشغله هو السفر لحضور الجنازة، والاستفادة من التخفيضات التي تقدمها الشركة في مثل هذه الظروف، دون أن يتحمل أعباء مالية إضافية.

توجه موفات إلى روبوت المحادثة على موقع الشركة للاستفسار عن إمكانية الاستفادة من تخفيضات السفر في حالات الوفاة، وجاءه الرد واضحًا: يمكنه حجز التذكرة بالسعر العادي، ثم التقدم بطلب لاسترداد فرق السعر خلال 90 يومًا من إصدار التذكرة. وبناءً على هذه المعلومات، أتم الحجز وسافر لحضور الجنازة.

لكن المفاجأة جاءت بعد ذلك، حين رفضت الشركة طلبه استرداد فرق السعر، موضحة أن سياستها لا تسمح باسترداد قيمة التخفيض بعد إتمام الرحلة، وأن عليه الرجوع إلى الشروط المنشورة على موقعها الإلكتروني.

لم يكن الخلاف هذه المرة حول تأخر رحلة أو فقدان حقيبة، بل حول معلومة قدمها نظام ذكي تابع للشركة، واعتمد عليها أحد عملائها في اتخاذ قرار ترتبت عليه أعباء مالية. وعندما قدم موفات صورة للمحادثة التي دارت بينه وبين الروبوت، أقرت الشركة بأن الرد تضمن معلومات مضللة، وأشارت إلى أنها ستعمل على تحديث النظام، لكنها لم توافق على تعويضه.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد لجأ موفات إلى محكمة المطالبات المدنية في مقاطعة كولومبيا البريطانية بكندا، لتتحول الواقعة إلى نقاش قانوني حول المسؤولية عن الأخطاء التي تصدر عن أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وكان من اللافت في دفاع شركة الطيران أنها حاولت التنصل من المسؤولية بالقول إن روبوت المحادثة كيان قانوني منفصل، وإن الشركة لا تتحمل مسؤولية ما يصدر عنه من معلومات. إلا أن المحكمة لم تقبل هذا الطرح، ورأت أن الروبوت جزء من الموقع الإلكتروني للشركة، وأنه لا يوجد فارق جوهري بين المعلومات التي تقدمها الشركة عبر صفحات موقعها الثابتة وتلك التي يقدمها روبوت المحادثة التابع لها.

وفي 14 فبراير 2024، أصدرت المحكمة حكمها بإلزام شركة الطيران بتعويض موفات بمبلغ 650.88 دولارًا كنديًا، إلى جانب 36.14 دولارًا فوائد و125 دولارًا رسومًا قضائية.

لم تكن أهمية الحكم في قيمة التعويض بقدر ما كانت في الفكرة التي استند إليها؛ فالاستعانة بالذكاء الاصطناعي لا تعني بالضرورة أن الشركة تستطيع التنصل من مسؤولية المعلومات التي يقدمها نظامها للعملاء، خاصة عندما يعتمدون عليها في اتخاذ قراراتهم.

وتفتح هذه الواقعة بابًا مهمًا للنقاش القانوني حول مدى كفاية القواعد التقليدية للمسؤولية المدنية في التعامل مع الأضرار الناتجة عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. ففي القانون المصري، تقرر المادة 163 من القانون المدني أن كل خطأ سبب ضررًا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض، متى توافرت شروط المسؤولية. ومع ذلك، فإن تحديد المسؤول عن الضرر الناشئ عن أنظمة الذكاء الاصطناعي يظل مسألة تتطلب النظر في طبيعة النظام، ودور الجهة التي تستخدمه، ومدى توافر أركان المسؤولية في كل حالة.

وتزداد المسألة تعقيدًا عندما تتجاوز العلاقة حدود الدولة الواحدة؛ فقد تكون الشركة في دولة، والعميل في دولة أخرى، بينما يُطوَّر النظام أو تُدار خدماته في دولة ثالثة. وهنا يبرز دور القانون الدولي الخاص في تحديد القانون الواجب التطبيق والمحكمة المختصة، إلى جانب القواعد الموضوعية التي تحكم المسؤولية والتعويض.

وربما تكمن الدلالة الإنسانية الأهم في هذه القضية في أن موفات لم يكن يطلب أكثر من احترام المعلومة التي تلقاها من الجهة التي اختار التعامل معها. فالإنسان حين يتعامل مع خدمة إلكترونية لا يفترض بالضرورة أن يميز بين إجابة يكتبها موظف وأخرى ينتجها نظام ذكي؛ ما يعنيه في النهاية هو مدى صحة المعلومة التي يعتمد عليها.

ومع اتساع حضور الذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياتنا اليومية، لم يعد السؤال مقتصرًا على مدى قدرة الآلات على محاكاة الإنسان في الحديث والتفاعل، بل أصبح يمتد إلى حدود المسؤولية عن نتائج هذا التفاعل. فالآلة قد تجيب، وقد تخطئ، لكن يبقى من الضروري أن نحدد من يتحمل تبعات الخطأ، وألا يتحول التطور التكنولوجي إلى سبب يضيع معه حق الإنسان في التعويض.