الأربعاء، ١٠ يونيو ٢٠٢٦٥:٣٥ م
أحزاب

رئيس “عليا النور”: حادثة الشرقية تستوجب فتح نقاش تشريعي جاد حول حماية حق الله وحق المجتمع في تلك الفواحش العلنية إذا غاب الشاكي؟

الأربعاء، 10 يونيو 2026 12:04 مساءً
رئيس “عليا النور”: حادثة الشرقية تستوجب فتح نقاش تشريعي جاد حول حماية حق الله وحق المجتمع في تلك الفواحش العلنية إذا غاب الشاكي؟
سامح البسيوني
15

أكد المهندس سامح بسيوني، رئيس الهيئة العليا لحزب النور، أن بعض الوقائع التي تثير الرأي العام لا يمكن النظر إليها باعتبارها أحداثًا فردية معزولة، بل باعتبارها مدخلًا لفتح نقاش أعمق حول فلسفة التعامل القانوني والاجتماعي مع الجرائم ذات الطابع الأخلاقي، وحدود الفصل بين الحق الفردي والحق العام.

 

وقال “بسيوني” إن ما يُثار أحيانًا حول وقائع تتعلق بإقامة علاقات محرمة بين بعض الأفراد، وتوثيقها بصور أو مقاطع مصورة، ثم انتهاء الأمر إلى عدم تحريك دعوى جنائية لغياب الشكوى أو عدم تقدم الأطراف المعنية ببلاغات، يطرح سؤالًا جوهريًا لا يتعلق فقط بمصير الواقعة، وإنما بطبيعة المنظومة القانونية والاجتماعية نفسها: أين يقع حق الله وحق المجتمع حين تتحول الفاحشة من فعل فردي مستور إلى سلوك معلن ومتداول عبر المنصات؟

 

وأضاف أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في توصيف فعل بعينه، وإنما في الفلسفة التي يتم من خلالها اختزال الجرائم ذات الأثر العام في كونها مجرد علاقات رضائية بين أطرافها، رغم أن الرضا – في مثل هذه الحالات – لا ينفي الآثار المترتبة على الفعل، ولا يُسقط أثره على منظومة القيم والأخلاق العامة والأمن المجتمعي.

 

وأوضح أن جعل الرضا بين الأطراف سببًا لإسقاط الاعتبار القانوني أو المجتمعي يثير إشكالًا جوهريًا، لأن التراضي في مثل هذه الأفعال ليس أمرًا طارئًا، بل هو في كثير من الأحيان أحد عناصرها الأساسية، مما يستدعي إعادة النظر في كيفية التعامل مع هذا النوع من الوقائع حين تتحول من نطاق الخصوصية إلى نطاق العلن والتداول العام.

 

وتساءل: “إذا كان تحريك الدعوى يتوقف عمليًا على شكوى أحد الأطراف، فماذا يحدث عندما يتفق الطرفان على الفعل ثم يتفقان بعد ذلك على الصمت؟ وهل يظل الحق العام معلقًا بالكامل على إرادة الأفراد رغم اتساع دائرة الضرر المجتمعي؟” .

 

وشدد على أن القضية لا تتعلق بحق فردي فقط، بل تمتد إلى حقوق أوسع تشمل حق باقي الأولياء، وحق المجتمع في حماية منظومته الأخلاقية، وحق الدولة في صيانة النظام العام الذي يقوم عليه استقرار الأسرة والمجتمع، مشيرًا إلى أن المنظور الشرعي ينظر إلى الفواحش باعتبارها أفعالًا ذات أثر عام، وليست مجرد اعتداء على طرف محدد، بل هي اعتداء على حق الله تعالى، وعلى حق المجتمع في صيانة الأخلاق العامة، وعلى حق الأسر في حماية أبنائها من الانزلاق إلى مسارات الانحراف والاستغلال.

 

واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، مؤكدًا أن النص القرآني يصف الزنا بأنه “سبيل فاسد” تتجاوز آثاره أطرافه المباشرين إلى المجتمع بأسره، مضيفًا أن الفقه الإسلامي لم ينظر إلى الزنا باعتباره شأنًا خاصًا، وإنما كجريمة تمس المجتمع، وهو ما يظهر في اشتراط أربعة شهود عدول لإثباتها، وهو شرط شديد الصعوبة يعكس في الوقت ذاته مقصدين متلازمين: حماية الأعراض من الاتهام الباطل، ومنع شيوع الفاحشة في المجتمع، موضحًا أن هذا التشديد في الإثبات يدل على أن الأصل هو الستر، غير أن تحقق شرط الشهادة بأربعة عدول يعني أن الفعل خرج من نطاق السرية إلى نطاق العلنية والانكشاف، بما يجعله أقرب إلى دائرة الشأن العام لا الخاص.

 

وأكد على الحاجة إلى نقاش تشريعي جاد حول كفاية بعض الإجراءات الحالية في حماية الحق العام، خاصة في الحالات التي تتوافر فيها قرائن قوية أو أدلة مادية على وقوع أفعال تمس النظام العام والآداب، بينما يتوقف تحريك الدعوى على إرادة أفراد قد يمنعهم الخوف أو الحرج أو الرغبة في تجنب الفضيحة من التقدم ببلاغ، مؤكدًا إلى أن الدعوة إلى هذا النقاش لا تعني إهدار مبدأ الستر الذي حثت عليه الشريعة، بل على العكس، فالستر أصل شرعي معتبر ما دامت المعصية في نطاقها الخاص ولم تتحول إلى ضرر عام أو مفسدة متعدية.

 

وأشار إلى أن الشريعة جمعت بين مقصدين متوازنين: الستر على الناس، وفي الوقت ذاته حماية المجتمع من شيوع الفواحش، ولذلك وضعت شروطًا صارمة لإثبات الجرائم الأخلاقية، بما يحقق أعلى درجات التوازن بين حماية الأفراد وصيانة المجتمع.

 

وقال إن من يتأمل هذه المنظومة يدرك أن الأصل هو عدم تتبع العورات، غير أن تحول الفعل إلى أمر شائع أو معلن يغير من طبيعته، ويجعله في دائرة التأثير المجتمعي المباشر، وهو ما يستدعي إعادة النظر في كيفية التعامل معه تشريعيًا وإجرائيًا.

 

وأضاف أن أي مقترحات تتعلق بتطوير الإجراءات يجب أن تكون منضبطة بضوابط دقيقة، بحيث لا تتحول إلى مدخل لتتبع الناس أو التشهير بهم، وإنما تقتصر على الحالات التي تتوافر فيها قرائن جدية وأدلة مادية، وبما يضمن منع الاستخدام الكيدي أو الإضرار بالأبرياء.

 

واقترح في هذا السياق أن يتم التفكير في آلية تضمن وجود عدد من الأشخاص المعروفين بالاستقامة وحسن السمعة لتقديم البلاغات، على ألا يقل عددهم عن أربعة أشخاص، مع ضرورة وجود أدلة وقرائن قوية، استلهامًا من التشديد الشرعي في قضايا الأعراض.

 

وأكد أن هذا المقترح لا يهدف إلى الإدانة المباشرة أو العقوبة الفورية، وإنما يهدف إلى تمكين جهات التحقيق من فحص الوقائع بدقة، واستبعاد أي ادعاءات كيدية، مع فرض عقوبات صارمة على كل من يثبت تعمده البلاغ الكاذب أو الإساءة للغير دون حق.

 

وشدد على أن التوازن المطلوب يقوم على ركيزتين أساسيتين: حماية الستر الفردي، وحماية المجتمع من الفساد الأخلاقي حين يتحول إلى ظاهرة عامة تمس القيم والأمن الاجتماعي.

 

وربط “بسيوني” بين هذا الطرح والمادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، موضحًا أن حماية الأخلاق العامة وصيانة الأسرة ليست خيارًا اجتماعيًا متغيرًا، بل هي مقاصد شرعية ينبغي أن تنعكس في السياسات التشريعية والإجرائية، مضيفًا أن الدولة، بوصفها مسؤولة دستوريًا عن حماية النظام العام والآداب العامة، مطالبة بمراجعة الأدوات القانونية بما يضمن تحقيق التوازن بين الحريات الفردية ومنع الانهيار الأخلاقي أو التسيب القيمي.

 

وأكد أن الإشكالية ليست في واقعة فردية أو حكم على شخص بعينه، وإنما في فلسفة كاملة تتعلق بالسؤال الجوهري: هل يكفي غياب الشاكي لإسقاط حق الله وحق المجتمع؟ وهل يمكن اعتبار التراضي بين الأطراف مبررًا لغياب المساءلة في كل الأحوال؟، موضحًا أن المجتمعات لا تنهار فجأة، وإنما تبدأ مراحل التآكل حين تُرفع الحواجز بين الحلال والحرام، وبين الفضيلة والرذيلة، وحين يُصبح المجهر الأخلاقي غائبًا، ويُطلب من القانون أن يتعامل مع الظواهر الأخلاقية باعتبارها شؤونًا خاصة لا تمس المجتمع.

 

واختتم المهندس سامح بسيوني تصريحه بالتأكيد على أن حماية الأخلاق ليست ترفًا فكريًا ولا وصاية على الأفراد، وإنما هي جزء أصيل من حماية المجتمع ذاته، باعتبار أن استقرار الدول يقوم على تماسكها الأخلاقي والاجتماعي قبل أي شيء آخر، مشيرًا إلى أن ما يُعرف اليوم بـ”حروب الجيل الخامس” يقوم في أحد أبعاده على تفكيك الوعي وإضعاف المنظومة القيمية للمجتمعات، مؤكدًا أن إضعاف الضوابط الأخلاقية وطمس الحدود بين الفضيلة والرذيلة يؤدي إلى خلل عميق في البنية المجتمعية، مؤكدًا أن تطوير الأدوات القانونية والإجرائية في هذا الملف يجب أن يتم بصورة مستمرة ومتوازنة، وبما يتوافق مع الضوابط الشرعية والدستورية، بهدف حماية المجتمع من الفواحش العلنية، وصون هويته واستقراره، ومواجهة أي محاولات تستهدف تفكيك بنيته الأخلاقية والاجتماعية.