
قالت الدكتورة رشا السيد محمد السلاب، الخبيرة الاقتصادية والمحلل المالي بـهيئة قناة السويس، والنائب الثاني لرئيس الاتحاد الاقتصادي لأحزاب مصر، إن الاقتصاد المصري شهد خلال السنوات الأخيرة موجات متكررة من خروج ما يُعرف بـ الأموال الساخنة من الأسواق المالية، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصادات الناشئة.
وأوضحت أن الأموال الساخنة هي استثمارات أجنبية قصيرة الأجل تتجه غالبًا إلى أدوات الدين مثل أذون وسندات الخزانة، بهدف تحقيق أرباح سريعة من فروق أسعار الفائدة أو تقلبات أسعار الصرف، لكنها في المقابل تكون شديدة الحساسية لأي تغيرات اقتصادية أو جيوسياسية، ما يجعلها أول الاستثمارات التي تغادر الأسواق عند حدوث اضطرابات.
وأضافت أن هذه الاستثمارات لعبت دورًا مهمًا في دعم احتياطيات النقد الأجنبي خلال فترات الاستقرار، إلا أن خروجها المفاجئ قد يفرض ضغوطًا ملحوظة على الاقتصاد الكلي، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا وتصاعد التوترات الجيوسياسية.
تأثير خروج الأموال الساخنة على سعر الصرف
وأشارت السلاب إلى أن خروج هذه الاستثمارات يؤدي إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، خصوصًا الدولار، من أجل تحويل الأموال إلى الخارج، وهو ما يضع ضغوطًا على سوق الصرف.
وأوضحت أن ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه لا يقتصر تأثيره على الأسواق المالية فقط، بل يمتد إلى زيادة تكلفة الاستيراد، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار العديد من السلع والخدمات داخل الاقتصاد.
لماذا ترتفع أسعار الوقود مع خروج الأموال الساخنة؟
وأكدت الخبيرة الاقتصادية أن قطاع الطاقة والوقود يعد من أكثر القطاعات تأثرًا بارتفاع سعر الدولار.
ورغم التقدم الذي حققته مصر في إنتاج الغاز الطبيعي، إلا أنها لا تزال تعتمد جزئيًا على استيراد بعض المنتجات البترولية أو مدخلات إنتاجها بالدولار، ما يعني أن أي ارتفاع في سعر العملة الأمريكية يؤدي إلى زيادة تكلفة الاستيراد.
وأضافت أنه مع توجه الدولة إلى تحرير أسعار الطاقة تدريجيًا وربطها بالأسعار العالمية، تنتقل هذه الزيادة في التكلفة إلى أسعار الوقود في السوق المحلي.
تأثيرات متسلسلة على النقل والإنتاج
وأوضحت السلاب أن ارتفاع أسعار الوقود لا يقتصر تأثيره على تكلفة الطاقة فقط، بل يمتد ليؤثر على تكاليف النقل والإنتاج والتشغيل في معظم القطاعات الاقتصادية.
وبالتالي فإن أي زيادة في أسعار الوقود تؤدي إلى ارتفاع عام في تكلفة السلع والخدمات داخل الاقتصاد.
انعكاسات مباشرة على التضخم والقوة الشرائية
وأشارت إلى أن ارتفاع تكاليف النقل والطاقة ينعكس مباشرة على معدلات التضخم، حيث ترتفع أسعار السلع الغذائية والمنتجات الصناعية والخدمات.
وأكدت أن هذه الزيادات تؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين، خاصة أصحاب الدخول الثابتة، ما يخلق ضغوطًا اجتماعية واقتصادية إضافية.
تأثير خروج الأموال الساخنة على الاستثمار والنمو
وأضافت أن خروج الأموال الساخنة قد يخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق المالية، وهو ما قد يؤثر على شهية المستثمرين المحليين والأجانب للاستثمار.
كما أن تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكلفة التمويل قد تدفع بعض الشركات إلى تأجيل خطط التوسع، الأمر الذي قد ينعكس على معدلات النمو الاقتصادي وفرص العمل.
ضغوط إضافية على الموازنة العامة
وأوضحت السلاب أن ارتفاع أسعار الوقود عالميًا مع صعود الدولار يزيد من تكلفة شراء المنتجات البترولية أو دعم الطاقة، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة للدولة.
كما أن رفع أسعار الفائدة لجذب الاستثمارات الأجنبية قد يؤدي إلى زيادة تكلفة خدمة الدين العام.
كيف يمكن تقليل الاعتماد على الأموال الساخنة؟
وشددت الخبيرة الاقتصادية على ضرورة توجه الاقتصاد المصري نحو جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة طويلة الأجل بدلًا من الاعتماد المفرط على التدفقات المالية قصيرة الأجل.
كما دعت إلى تعزيز القطاعات الإنتاجية والصناعية والتصديرية التي توفر تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي.
وأضافت أن تطوير قطاع الطاقة وزيادة الاكتفاء الذاتي من المنتجات البترولية والغاز الطبيعي يعد من العوامل المهمة لتقليل تأثير تقلبات سعر الصرف على أسعار الوقود.
واختتمت السلاب تصريحاتها بالتأكيد على أن خروج الأموال الساخنة يمثل تحديًا حقيقيًا للاقتصاد المصري، نظرًا لتأثيره المباشر على سعر الصرف، وما يترتب عليه من انعكاسات على أسعار الوقود والتضخم والاستثمار والنمو الاقتصادي.
وأكدت أن بناء اقتصاد قوي ومستدام يتطلب تقليل الاعتماد على التدفقات المالية قصيرة الأجل، والتركيز على دعم الإنتاج المحلي وجذب الاستثمارات طويلة الأجل بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحمي الاقتصاد المصري من التقلبات العالمية.





