
المطلع على التاريخ يجد أنه من خلال استقراء العلاقات بين المسلمين والأقباط عبر العصور المختلفة يمكننا بالكاد الجزم أن المجتمع المصرى لم يدخل يوما فى حزام المجتمعات الطائفية بشكلها المعروف وإن كانت هناك بعض التفاعلات من آن لآخر لم تخل من أعراض تشى بطابعها الطائفي.
التعريف الحقيقي للفظ “قبطي”
ولكن حتى لفظ قبطى المستخدم لوصف المسيحيين فى المجتمع المصرى قد اُستخدم كثيراً لا تعبيراً عن الدين ولا طموحاً فى إيجاد وحدة سياسية أساسها الدين، ولكنه استخدم بمعنى “المصرى الأصيل” مسيحياً كان أو مسلماً، واستعمل هكذا ليميز المصريين “الأصلاء” عن المتمصرين، أى أنه فى إحدى الفترات الماضية كان لفظ “قبطي” يعنى مصرى بغض النظر عن الديانة التى يعتنقها..
إلا أنه الشائع بين المؤرخين وجموع المثقفين والعامة أيضا – وحسب المعنى الإصطلاحى –أن الأقباط هم المصريون الذين يدينون بالمسيحية، وظلت العلاقة بين أقباط ومسلمي مصر علاقة طيبة مهما حاول المغرضون دس زرائع الفتنه بينهم في المجتمع فتارة بالشائعات، وتارة بالمواقف المفتلعة وتارة بالاحتيال وتارة بالتفرقة في الحقوق والواجبات.
التكنولوجيا وزرع الفتنة
ومع تطور الأزمان دخلت التكنولوجيا لتكون أداة جديدة أكثر تأثير في زرع الفتنة الطائفية والتي يمكنن تعريفها بداية فى كونها أزمة أو معركة أو صدام لا يستطيع المحللون أو المراقبون لأحداثها التحديد بوضوح الحق مع أى طرف من أطراف النزاع، كما أن الفتنة قد تكون مدبرة بفعل فاعل، أو تكون بشكل عفوى دون إعداد مسبق، وغالبا ما تنشأ الفتنة فى أجواء التوتر والاضطراب، كما يشكل نقص المعلومات أحد أهم العوامل الرئيسة لتأجيج الفتنة. ولاسبيل إلى تخطى هذه الأزمات إلا بمواجهة أسبابها، بأقصى قدر ممكن من الصراحة والشجاعة والحسم؛ لأن أى سكوت على تلك الأسباب، هو بمثابة تجاهل لألغام مزروعة فى الوطن.
وقد ارتبطت الفتنة الطائفية بالعديد من العوامل على مدار تاريخ مصر، يكاد عقل كل من يقرأ الآن يستحضر موقف منها أو أكثر كانت مبنية على تخطيط وتنظيم ثم تنفيذ للوصول إلي الهدف بأكثر الطرق تحقيقاً له وكانت تستغرق تلك العمليات فترات من الزمن ودراسات للجمهور لمعرفة كيفية أحداث التأثير المطلوب من عمليات زرع الفتنة الطائفية.
وبتطور التكنولوجيا انقلب الحال فقد أصبحت عمليات زراعة الفتنة الطائفية أسهل ما يكون فبمجرد انتشار بوست يحمل مغزى محددا وبثه إلى جماهير تم دراستها مسبقاً عن طريق مجموعة المعلومات التي تمت إتاحتها من قبل المواطنين أنفسهم علي مواقع التواصل الاجتماعي كالنوع والسن والتعليم ومكان الإقامة والعمل والأقارب والأصدقاء والآراء السياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها أصبح هناك قاعدة معلومات عن كل فئة عمرية أو وظيفية.. وهنا يمكنهم مخاطبتنا بما يشغل اهتماماتنا أو تفكيرنا وعليه سنستقبل نحن ما ينشر أو يوجه إلينا بكامل التأييد والتبني.
وهنا قد نجح الاختراق، أتدري عزيزي القارئ أن هذا ما يحدث الآن على السوشيال ميديا بالترويج والضجة حول “بوست” محدد كُتب فيه: “المسيح هو الله” شاركه المسلمون بالهجوم والأقوال العنيفة وغيرها وشاركه المسيحيون بالتفسير والدفاع وهنا حدثت الوقيعة بينا الطرفين بذكاء توليدي من خلال السوشيال ميديا بدون أدنى مجهود يبذل فنحن متاحون على تلك المواقع نحن وحياتنا العملية والعاطفية والعلمية بإتاحة كاملة لاختراقنا فمن حول ساحة التواصل إلى ساحة لإقامة الأزمات وافتعال المشكلات ، إذا كنت مسلما فالإسلام حثنا على أن لا نؤذي إنسانا قط لكم دينكم ولي دين، وإذا كنت مسيحيا فالدين محبة أساسه التسامح.
يجب ألا نترك عقولنا فريسة للأزمات
وقيمنا وعاداتنا وتعاليم ديننا وعقولنا التي ميزنا بها الله عن سائر المخلوقات تحتم علينا ألا نترك عقولنا للوقوع فريسة في مفتعلي أزمات مواقع التواصل وأن نعي جيداً أن كل معلومة نتيحها عن أنفسنا وأن كانت غير مهمه بالنسبة لنا فهي شديدة الأهمية لما أراد معرفتها وهذا القول ينطبق كل الانطباق علي التكنولوجيا الحديثة وإتاحتها المراسلة والإرسال والبث فهي ظاهرة إعلامية لا مثيل لها في التاريخ، تأخذ في النمو والانتشار، وهي محصلة لظاهرة ظهيرة لها، وهي التكنولوجيا الرقمية بأدوات التواصل الاجتماعي.
ظاهرة وسائط التواصل الاجتماعي بأدواتها العديدة، من هاتف ذكي ولوحة (آيباد) ذكية وأجهزة حاسوب متطورة، وبالتفاعل مع شبكات اليوتيوب والفيسبوك والتويتر والواتساب، وهي مراكز بث متحررة من القيود رغم آليات الرصد الرسمية وغير الرسمية، فإن واقعًا إعلاميًا جديدًا قد برز في المجتمعات على مستوى العالم كله.
ثورة ارتدادية في عالم الإعلام
هذه الظاهرة هي ثورة ارتدادية في عالم الإعلام، فلم يعد الإعلام حكرًا على المؤسسات الكبيرة، من حكومات وجهات متخصصة تتحمل مسؤولية ما تبث، بل إن الأفراد أصبحوا مراكز استقبال وإرسال، وبعض المراكز الفردية الذكية استغلت هذا الفضاء الإعلامي المتحرر من أجل بث أدواتها الخاصة وعلى هوى نزواتها الدفينة.
الأدهى والأخطر من المراكز الفردية الذكية هي مراكز الجماعات السياسية والعقائدية، الدينية وغير الدينية، ونحن فريستها السهلة التي تتلاعب بعقولها متى شاءت وكيفما شاءت دون مقاومة أو لحظة تفكير منا، وكأن الأمر مسلماتٍ نؤمن بها ونتفاعل معها بل ونكون أداه تنفيذية من ضمن أدواتها.
لعن الله الفتنة ومن أيقظها و فى النهاية فإن أقباط مصر ومسلميها تجمعهم الجامعة الوطنية، وكل منهم قد ارتضى بأن يعبد الله على ما رآه صواب.





